لقد ترددت كثيراً في الكتابة عن أخي الشاعر سالم زين بن سالم باحميد
وذلك لسببين اثنين :
أولهما : أنه أحد أفراد أسرتي ومن خاصة أهلي وهاذان يضعاني في حرج شديد
وعلى المحك .
وثانيهما : أن الرجل قد قطع شوطاً كبيراً في الكشف عن معظم جوانب حياته
وذلك من على صفحات صحيفة ( سيئون ) التي يصدرها اليوم التجمع اليمني
للإصلاح .
ومن هنا ماذا عساي أن أقول أو أضيف أو أزيد على ما كشفه وكتبه ، وهل لدي
جديد يستحق الحديث عنه في هذا المساء الجميل ؟
إنني عندما اطلعت على ما سطره في هذا اللون من الكتابة ألا وهي ( السيرة
الذاتية ) وسبق أن اطلعت على عدد من السير والترجمات الذاتية لعدد من
الأدباء والمفكرين والسياسيين وجدت أن القليل منهم من تحدث عن الجانب
الناعم والهادئ في حياته ، وشاعرنا سالم زين واحداً منهم .
وفيهم من عبث بالذكريات وعبثت الذكريات به ، ومنهم من قدموا لنا الذكريات
عارية تماماً وصريحة وجريئة حتى النخاع ، وهؤلاء هم أروعهم جميعاً في نظري
؛ لأنهم أدركوا أن الذكريات أمانة في عنق صاحبها لابد أن يؤديها كما كانت
وكما جرت وكما حدثت لأنها في حقيقة الأمر رصد للتاريخ وتسجيله .
إنني لن أتحدث إليكم هذه الليلة عن تلك المحطات منافقاً أو مجاملاً أو
مدارياً وإنما سأغوص فيها حسب ما يقتضي المقام لأسلط الضوء على ج
وانب
معتمة من حياته لم يعرّج عليها في مذكراته تلك .
●
المحطة الأولى :
أول ما رأيت الشاعر سالم زين رأيته في شبابه وفي مراسيم زواجه الأول
بقريته مدودة التي لم تعرف بعد كأي قرية في ذلك الوقت أن الماء أصبح ينساب
في
ماسورة ويتدفق من صنبور على الحائط ،
وأن النور يأت مسرعاً بعد نقرة في سلك يتدلى من الحيطان والسقوف ، وكان
الناس يومها يداوون جراح أصابعهم بالبول عليها مع بزوغ نور الصباح ،
ويعالجون نزيف الدم بنسيج خيوط العنكبوت أو بأوراق الشاي اليابسة ، بل
الأنكى من ذلك أنه أي – سالم زين – كان يصبح ويمسي إذا أطل برأسه من نافذة
منزله على منظر خرابة متداعية ومتساقطة لسنين طويلة ينطبق على حالها قول
الشاعر نصير الدين الحَمامي :
ودار خراب بها قد نزلت
ولكن نزلت إلى السابعة
فلا فرق ما بين أني أكون
بها أو أكون على القارعة
وأخشى بها أن أقيم الصلاة
فتسجد حيطانها الراكعة
إذا ما قرأت إذا زلزلت
خشيت بأن تقرأ الواقعة
في هذه الظروف البيئية الصعبة نشأ شاعرنا وبالرغم من أنه كان مثقلاً بها
وبهمومها إلا أنه شق طريقه بعصامية وتطلع إلى المستقبل فغادر قريته ليسيح
في أرض الله الواسعة حتى وضع عصاه عن كاهله في (أديس أبابا) التي تركت تلك
المدينة الساحرة في أنفه عطراً لم يمحه غبار وطين هذا الوادي حتى اليوم ،
وعمل فيها بالتجارة في النهار ، وإذا هبط الليل شغلته عن الحبيب الكتب التي
أول ما تعلق بها عندما وجدها في مكتبة بن سلم ، فها أنذا أتخيله في قول
الشاعر :
ينام على كتاب في كتاب
ويصحو بالكتاب على كتاب
كما حط به الترحال في الأخير بمدينة عدن ، وما أدراك ما عدن يومها حيث
احتضنته مجالسها الأدبية وشعراؤها الذين قرأ لعدد هائل منهم والذين حملوا
مشاعل النهضة في وطنه .
إن سنوات الهجرة تلك هي سنوات التكوين له من وجهة نظري وهي التي جعلته
ممسكاً بقلمه السيال الذي لم ينثلم يسطر لنا القصيدة تلو القصيدة ، والمقال
تلو المقال عن الوطن الذي أنجبه ، ثم تجاوزه وكتب عن العرب وقضايا الأمة
العربية وفي مقدمتها قضية فلسطين ، وكان ينشرها آنذاك على صفحات صحيفتي (
الطليعة ) و ( الفكر ) الحضرميتين ، ولا يزال حتى اليوم يحضر هنا ويشارك
هناك .
إنه لاشك يشعر حتى اللحظة بحنين دائم قابع في قلبه إلى تلك الحياة المهجرية
على الرغم من مرور عقود زمنية عليها .
●
المحطة الثانية :
عاش سالم زين معظم عمره وحتى اليوم قابعاً في منزله بقرية (مدودة) يقرأ
ويعيش فيما يقرأ ، يعيش حياة الإسراف في البساطة والتقشف لأنه موظف مثل كل
الموظفين الذين يملأون البلاد ، ويتأثر كما يتأثرون بأي تأخر مفاجئ في صرف
الراتب الشهري ، وظل قانعاً راضياً لأنه يؤمن حق الإيمان .. وعلى يقين تام
من قول الشاعر :
وكل امرئ يوماً ملاق حِمامه
وإن دانت الدنيا وطال به العمر
والذي أغراه في بداية حياته بالأسفار ، ووعثاء السفر أمله في تحسين معيشته
، والتخلص من مناخ القرية الخانق للإبداع ، فالمهجر كان بالنسبة للحضارم
المنفى الاضطراري لطلب الرزق ولمن يبحث عن ظروف العطاء الإبداعي .
وهنا تحضرني مقولة الرحالة البريطاني سير ريتشارد بيرتون الذي قال : ( من
المعلوم أن الشمس لا تشرق على أرض لا يوجد فيها رجل من حضرموت) .
لقد زرع في نفسه بذور الزهد في كثير من زينة الحياة الدنيا ، فهو لم ينعم
بركوب السيارة من تحت داره وإلى أي ناحية كانت وجهته إلا قبل عام تقريباً ،
كما أنه لم يدغدغ جسمه نسيم المكيف الصحراوي البارد إلا في الصيف الماضي ،
كما أنه استطاع وباعتماد على الله ثم ذاته أن يكمل نصف دين معظم أولاده وهو
راض وقانع ومطمئن على ذلك ، لقد خرج من صلبه خلف صالح أحاطه بالطاعة والبر
والامتثال .
حافظ سالم زين على علاقة وصداقة متوطدة مع العديد من الشيوخ الذين إما
كانوا زملاء له في العمل ، وإما على وفاء ظل قائماً بينه وبينهم فهو رجل لا
يعرف الجحود والنكران ، فهو كثيراً ما أراه يخف ليتجشم التحرك حال سماعه
أن فلاناً من أولئك كان طريح الفراش ، أو أن فلاناً لم يعد يخرج من بيته
لمرض أو شيخوخة ، أو أن أحدهم فارق هذه الحياة ، أو أن زيداً قدِم من سفر
طويل ، فهو تجده في مثل هذه النوائب حريص على الزيارة والاطمئنان على
المبتلين بها ، ومن هنا حافظ على مكانته بين أصدقائه ومحبيه .
إنه ابن القرية التي تظل رمزاً للتضامن والتكافل والترابط ، بينما أهل
المدينة كما نرى اليوم لا أحد يهتم بأحد ، بل ولا يفشي واحد منهم عليك
السلام ، إلا من رحم ربي .
●
المحطة الثالثة :
تنقل سالم زين في وظائف الدولة ، وكانت آخر وظيفة طرق بابها هي تحمل
مسئولية نائب مدير مكتب الثقافة بمديرية سيئون ، وهي وظيفة باردة إذا ما
قورنت بالوظيفة التي تركها قبلها والتي عمل فيها مساعداً لمدير بلدية
المديرية الشمالية سيئون ، حيث كان في مواجهة صباح كل يوم مع الناس وصداع
الناس ، ورضى الناس الذي هو غاية لا تدرك ، بينما كان في مكتب الثقافة في
مواجهة الجدران الصماء يعاقر العزلة والتقوقع ينظر إلى الناس من عل حيث
يقبع مكتبه في إحدى غرف القصر السلطاني الشاهق التي لا تعد ولا تحصى .
وفي هذا الجو الصامت صمت التماثيل تفرغ لجمع شعره في دواوين معدودة ، هذا
الشعر الذي ظل يتنفس من خلاله ويًعرف به ، بل إن قريته إذا ذكرت ذكر معها
سالم زين شاعراً لا موظفاً ، فمأساة الوظيفة أن أحداً لا يذكرها ، وإن
الإنسان إذا تركها وجد نفسه على الهامش بل هامش الهامش .
●
المحطة الرابعة :
لم يشتغل سالم زين بالحزبية في يوم من الأيام وإنما خدم وطنه بالتفاني في
عمله ، وأعطاه أكثر مما أخذه منه ، بل كره السياسة من البداية بالرغم من
ولوجه بابها لفترة وجيزة في الستينيات ، فتركها لأنه لا يتحدث بعدة لغات ،
بل ظل يتحدث بلغة واحدة ، عازفاً عن شهوة السلطة والمنصب ، مدركاً أن دور
الشاعر هو إنارة الدرب وليس التبعية ، مؤثراً الاكتفاء بما يدره عليه راتبه
الشهري .
وبحكم احتكاكي به رأيت أنه ينتهج كثيراً أسلوب ( الرمادية ) في الموقف أو
الظهور باللون الأبيض الذي لا تعرف كما يقول نزار قباني ( هل هو معك أو ضدك
) فالرجل عرف نفسه حق المعرفة .. إنه ليس من فقهاء الحيل ، وأن المبدع
الحقيقي ليس بحاجة إلى الرافعة السياسية .
وهنا أتذكر قول الإمام الشافعي :
أنا إن عشت لست أعدم قوتا
وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي
نفس حر ترى المذلة كفرا
●
المحطة الخامسة :
قرأت له وأنا تلميذ بالمدرسة الوسطى شعره المهجري الذي زرع في وجداني بذرة
تذوق الشعر مبكرا ، والذي كان يرسله بطي رسائله إلى والدي – رحمة الله عليه
– .
وعندما عاد إلى الوطن كانت علاقته بوالدي هي محبة الأدب وتذوقه فهو يحرص
على عرض معظم قصائده عليه ليستأنس برأيه فيها ، وليجريا عليها معاً عمليات
الإضافة والحذف والتنقيح والتصحيح وتجنب تمريغ أنف سيبويه في التراب .
فوالدي – رحمة الله عليه – كان محباً للقراءة حافظاً للشعر ومستمعاً جيداً
لقائله ، وبعد وفاته وجدت ضمن ميراثه ( ديوان المتنبي ) الذي أهداه له
الشاعر سالم زين حيث يحتل اليوم له موقعاً متقدماً بين كتب مكتبتي المنزلية
.
وفي الختام وإن بقيت هناك سطور فإنني أوجهها إلى القائمين على هذا المركز (
مركز بن عبيداللاه لخدمة التراث والمجتمع ) قائلاً لهم : إن تكريمكم
وتقديركم لمبدعينا هي لفتة سامية منكم ، فما أجمل من أن يكرم الإنسان في
حياته حتى تقر عينه بما قدمه قبل أن يطبق الموت أجفانه وما أعظم هذه النشوة
التي يحس بها شاعرنا في هذه اللحظات ونحس بها معه ونحن نحتفي به في هذا
المركز الثقافي الذي سبق مَنْ وجب عليه القيام بهذا الدور وأداء هذا الواجب
وهو فرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بالوادي حيث كان سالم زين من
أعضائه الأول ، بل تحمل مسئولية رئاسة هذا الفرع وهو في طور الشعبة لمدة
أربع سنوات من عام 1987 حتى عام 1991م وقد عملت معه مسئولاً للعلاقات
الداخلية بالشعبة حيث أعطاني كل الصلاحيات وحرية التحرك ، فهو ليس مركزياً
حاداً ولا محتكراً بل كان صاحب عفة يد وترفع .
فالتحية من الأعماق وكل التقدير لهذا المركز الثقافي الذي أرجو أن يكون له
أثره البعيد في تطوير النشاط الثقافي بمدينة سيئون فنحن في هذا الوادي وفي
مدينة سيئون على وجه الخصوص بأمس الحاجة إلى حياة فكرية وأدبية رحبة ،
وصحافة راقية نــُسمع الآخرين من خلالها أصواتنا لنؤكد لهم أننا أحياء .