عزمنا على
الذهاب إلى العمرة ، أنا و والدتي مرة ، و الحمد لله الغني الواهب ، أن
وصلت جوازاتنا في وقتها المناسب ، في النصف الآخر من شهر رمضان ، شهر
التوبة و الغفران ، و الذكر و تلاوة القرآن ، حزمنا ما لدينا من متاع ، و
جاءت ساعة الرحيل والوداع ، فودعنا الأهل و الأقارب ، و كل عزيز و صاحب ، و
انطلقت بنا الحافلة في سيرها و الكل مسرور بهذه الرحلة المباركة ، في
الطريق تبادلنا أطراف الحديث و حكى كل واحد منا ذكرياته الجميلة عندما زار
الحرمين في وقت سابق ، و منهم من كانت هذه هي الرحلة الأولى عن طريق البر ،
والدتي إلى جواري تتمتم ببعض الأدعية المأثورة التي تحفظها و ربما همست إلى
ببعض الأسئلة ، أين نحن الآن ، فأجيبها حسب معرفتي قدر الامكان ، و توقفت
الحافلة عدة مرات لنستريح و نصلي و نتناول ما يسد رمقنا ، وصلنا منطقة
الحدود ، لم نمكث طويلا رغم القوافل المتتالية من الحافلات ، هناك مرونة في
التعامل و احترام متبادل فالكل قد أتى لغرض العمرة و زيارة البيت الحرام ،
تعاقب الليل و النهار و نحن مازلنا في الطريق ، و عند المساء كنا قد
اقتربنا من ميقات أهل اليمن ( يلملم ) يا الله شعور غريب و حالة لا توصف :
هل نحن حقا في يلملم ، طالما سمعت عن هذا المكان عندما كنا نستمع إلى درس
الفقه في المسجد المجاور عندما يصل بنا الحديث عن الحج و أحكامه ، هذا هو
يلملم إذن :
موقع بعيد عن
السكنى به مسجد واسع كبير و نظيف يضم عددا لابأس به من أماكن الوضؤ و
الاغتسال حيث يستعد الحاج و المعتمر للإحرام بعد أن يغتسل و يتطيب و ينظف
نفسه اتباعا للسنة المطهرة ، خرجنا كلنا من الحافلة ، أغتسلنا و تنظفنا و
لبسنا ثياب الإحرام ( رجالا و نساء ) أحس الجميع بشعور آخر إننا في ثياب
الإحرام ، و بعد أن أحرمنا و بدأ الجميع يلبي في داخل الحافلة همست لي أمي
و قالت أريد أن أجدد وضوئي يا ولدي ، هيا يا بني ساعدني ، أخرجت أمي من
الحافلة بعد أن أخبرت من هم بجواري ، و مشينا رويدا رويدا حتى وصلنا المكان
المخصص للنساء ، دخلت والدتي و بقيت واقفا لدى الباب أنتظر عودتها . أخذتني
الذاكرة بعيدا متى سنصل الحرم ، الكعبة ، أتخيل الآن أني أطوف و إلى جواري
أمي الحبيبة و قد بلغنا الله ما رجوناه و ها نحن نطوف ثم نسعى ثم نشرب من
ماء زمزم المبارك يا الله يالها من لحظات مباركة و ساعات سعيدة سنقضيها
هناك ، انتبهت ، لقد تأخرت أمي في وضوئها . مالذي جرى لها ، بدأ الخوف من
تأخيرها ، وقفت ، و سألت و لا معنى لسؤالي هنا فالكل داخل و خارج ، و هناك
كثير من النسوة العجائز اللواتي في مثل سن أمي ، زاد فضولي و أصبحت عيناي
تدوران هنا و هناك ، شعرت بالخجل من النسوة ، و لكني أبحث عن أمي فحسب و
فجأة و دون أن أشعر وجدت نفسي في حمامات النساء أنادي على أمي فياتي الجواب
حاسما قاطعا : لا يوجد أحد هنا بهذا الاسم . أصبح بالي مشغولا جدا ، أمي
هنا ، و الحافلة في انتظارنا ماذا أفعل ، هل أذهب إلى الحافلة لأخبرهم بما
أنا فيه ، و لكن ربما خرجت أمي من الحمام فلم تجدني ، ياله من موقف . ما
الحل ما العمل .. انتظرت قليلا و لكن أمي لم تخرج
قلت في نفسي لا
بأس أن أذهب سريعا إلى حيث الحافلة فربما خرجت دون أن أشعر و ذهبت إلى
الباص ، و إن لم أجدها فسأخبر أصحابي على الأقل ، ذهبت بجسدي و عيناي لا
زالتا ترقبان مواقع الوضؤ حتى توارت بالحجاب ، و صلت إلى موقع الباص و لكن
المفاجأة كانت بانتظاري .. لم أجد الباص ؟ تلفت يمنة و يسرة لأجده هنا أو
هناك و لكني بصري انقلب إلي خاسئا و هو حسير ، تعاظمت مشكلتي . تأخرت في
البحث عن الحافلة علي أجدها هنا أو هنا و لكن لا أثر لها على الإطلاق أيقنت
أن الباص قد تحرك .
عدت إلى أماكن
الوضؤ علني أجد أمي هناك ،و دخلت أبحث بنفسي مرة أخرى ، و لكن للأسف يبدو
أنني تأخرت عليها في بحثي عن الباص و لا شك أنها خرجت أثناء غيابي ، و ما
جعلني أتيقن وجود بوابة كبيرة في الاتجاه الآخر ، أذن أمي خرجت . و لكن أين
ذهبت
صار الخبيث
يلعب بي و بتفكيري فتارة يخيل إلي أنها سقطت وانكسرت ، و لكنها ستظهر ، و
تارة يقول لي أنها ضلت و تاهت ، ألم يعثر عليها أحد ، و بقيت في حيرة كبيرة
من أمري ، و في حالة لايحسد عليها ، أين أصحابي ، أين أمي .. لست أدري ؟
تبلد الإحساس
عندي و تجمد التفكير لدي و لم أعد أستطيع حتى حمل جسدي ، أين أنت يا أمي
أين أنت ؟ خف الزحام في الميقات : دخلت بنفسي أتحسس دورات المياه ، و لكن
لا أحد ، درت و طفت حول الميقات و في الساحات الأمامية و الخلفية ، و لكن
لا أثر . راودني بعض الشك في أنها ربما ركبت الحافلة . الحافلة ، و كيف
تركوني ؟ ألم يعلموا بغيابي ، ألم يسألوا عني ، ألم يتفاقدونني ، أية رحلة
هذه و أي قوم هم هؤلاء ، على أية حال سأتدبر الأمر ، أين جوازي أين نقودي
أين .. أين . لا حول ولاقوة إلا بالله لا أملك شياء هنا سوى لباس الإحرام
فكل ما أحمل و أمتلك موجود في الباص فقد كان خروجي من أجل أمي للحظات يسيرة
و لم أكن أتوقع حدوث شي كهذا على الإطلاق ما العمل الآن
وقفت حائر
أستجدي عطف سائقي الحافلات القادمة لأخذي معهم إلى مكة , و لكنهم يبادرونني
بالسؤال عن الهوية أولا ثم الأجرة ثانيا ، و كانت الإجابة واحدة في
الحالتين ، لا أملك شيئا ، فينصرف الجميع عني دون مراعاة لظروفي ،أي عالم
هذا الي نحن نعيش فيه ؟ الوقت يمر و الليل يمضي و لا أحد يواسيني . جاءتني
فكرة : رجال الشرطة ! ساشرح لهم مأساتي لعل لديهم الحل ، كفكفت دمعي ، و
مسحت وجهي ، و ذهبت نحوهم و شرحت لهم موقفي العصيب ؟ نظر بعضهم إلى بعض ،
هل لديك رقم الحافلة ؟ لا . هل لديك رقم هاتف أحدهم ؟ لا . هل لديك ... ؟
لالا . لا أملك إلا ما ترونه أمامكم . كل ما لدي تركته في الحافلة . قال
أحدهم : اسمع : قلت : كلي آذان صاغية . سنعطيك 50 ريالا و تصرّف . و دونما
أشعر أمتدت يدي لتأخذ الريالات الخمسين . و ابتعدوا عني . وقفت أتساءل هل
هذا مفتاح الحل . نعم . تبادر إلى ذهني أن أتصل بأهلي في البلد لآخذ منهم
رقم جوال سائق الحافلة و رقم الحافلة أيضا , يالها من فكرة ، و بسرعة البرق
ذهبت إلى بقالة من بقالات ( يلملم ) و ترجمة الفكرة إلى عمل و تم ما أردته
، و ما أن عثرت على هاتف السائق حتى هاتفته و كان أول سؤال نطقت به شفتاي
هل أمي معكم ؟ .. و بعد طول انتظار أتاني الرد مدويا : نعم إنها هنا .
انهرت و خارت قواي وكدت لا أتمالك نفسي .. الحمد لله الحمد لله . ثم قال
لي سيأخذها أحد معارفك إلى جده
عدت
إلى حيث الحافلات و قد عادت روحي إلى جسدي و انتظمت دقات قلبي بعد ما عرفت
من أمر أمي . بقيت مصمما على الذهاب إلى مكة حتى بعث الله سيارة صغيرة
استرققت قلوب أصحابها فأخذوني معهم ،، شعرت أني بحاجة إلى غفوة ، و ما أن
غفوت حتى اهتزت جوانب السيارة و زمجرت و ارتعدت فرائص من فيها و شعرت
بالذعر و الهلع ، ما ذاحدث ؟ لقد طار الإطار ؟ و بعد محاولة جادة توقفت بنا
السيارة و قد تصبب العرق من جبين السائق و أصدر عددا من الآهات . خرج
الجميع يتفاقدون و في أمرهم يتشاورون ، شكرتهم و استأذنتهم ، ووقفت وحيدا
أنتظر الفرج من فارج الهم و كاشف الغم يا من لعبده يغفر و يرحم . و جاء
الفرج و انطلقت في مركبة أخرى وصلت جدة قبل الفجر ، الكل غارق في نومه فنحن
في أيام رمضان المبارك ، البقالات مغلقة و المتاجر مقفلة و المساجد موصدة و
لا أدري أين المكان الذي نزلت به أمي . أين أذهب . يالها من رحلة ! و أخيرا
كان هناك من يمشي ذهبت نحوه ، إنه يبيع جوالات و شرائح ، بارك الله فيك
أريد أن أتصل و لا أملك في جيبي إلا 15 ريالا فقط ، سخر مني و ضحك . لم
أتمالك نفسي فانفجرت صارخا في وجهه ، و أخرجت كل ما كان في داخلي من غيظ و
غضب . استغرب في حالتي و أدرك أنني في ورطة حقيقية فساعدني . أتى ذلك الأخ
الذي أخذ أمي معه بعد أن اتصلت به و أخذني إلى شقته فوجدت أمي هناك .
انهمرت الدموع من عيني و التصقت شفتاي و انتابني شعور الذهول .. ما ذا أقول
، و بعد عناق حار نطقت أمي و الدمع يترقرق في عينيها و قد أدركت ما سببته
لي من أسى : سامحني يا ولدي .