|
عندما طلبت مني
المشاركة في هذه الحولية التي تصدر عن منصب مقام الحبيب علي بن محمد بن
الحسين الحبشي .. رجعت إلى الاثر الوحيد الذي لدي من آثار الحبيب العارف
بالله علي بن محمد بن الحسين الحبشي العديدة والمتنوعة وهو ديوانه (
الجوهر المكنون والسر المصون ) وقبل أن نلج باب الديوان اورد بعض النصوص
التاريخية المتعلقة بميلاده ووفاته ..
جاء في كتاب
تاريخ حضرموت ( العدة المفيدة الجامعة لتواريخ قديمة وحديثة ) للشيخ
العلامة سالم بن محمد بن سالم الكندي المتوفى عام 1310هـ تحقيق عبدالله
محمد الحبشي الجزء الثاني الصفحة رقم 396 : ( .. وفي السنة المذكورة ـ 1299
هـ ـ ابتناء سيدنا الحبيب العلامة الشاب الناشئ في طاعة الله سبحانه وتعالى
علي بن سيدنا محمد بن الحسين بن عبدالله بن شيخ الحبشي رباطا لطلبة العلم
لبلد سيئون أفّاقي وبلدي بجانب البلد الشرقي النجدي بساحة مسجد عبدالملك في
صورة مسجدا وفيه عزل في أعلاه وأسفله وجابية كبيرة بقرب البئر التي حفرها
سيدنا الحبيب علي المذكور . وجعل نفقة لسكانه ووقفت عليه اوقافا لذلك ، وفي
كل سنة بربيع اول يقرأ فيه المولد وتجتمع لذلك خلق كثير من اهل الجهة
الحضرمية ويأتي لحضور ذلك سيدنا الحبيب العلامة احمد بن حسن العطاس من بلد
حريضة وسكان بلد تريم من السادة وغيرهم ويفعل وليمة لهم عشاء للكل يفرقها
في بيوت بالبلد وغداء لبعض أهل البلد وكل أفّاقي . وانتفع به الخلق الكثير
من سادة وعرب وباذل نفسه للإقراء والتدريس .. )
وكان قبل بناء
الرباط أتخذ مسجد حنبل الواقع غرب مسكنه معهدا علميا لدروسه في ايامه
ولياليه . وأزدهرت سيئون وما حولها ببروزه حيث تصدر الدروس الفقهية ،
والنحوية ، والصوفية .. وكان مولده في بلد قسم ( عام 1259هـ ) فيكون عمره
عند بناء الرباط ( 40 عاما ) وهاجر والده سيدنا الحبيب محمد بن الحسين
الحبشي ومعه ابنائه الكبار عبدالله واحمد وحسين هجرة ابدية إلى مكة عام
1266هـ وعمر الحبيب علي سبع سنوات واتت به والدته من قسم إلى سيئون وتربى
بسيئون واستقر والده بمكة واصبح ( مفتي مكة ) وكانت وفاته بمكة عام 1281هـ
. وفي احدى رسائله عام 1316هـ كتب الحبيب علي لأخيه العلامة حسين بن محمد
بن حسين الحبشي رضي الله عنه هذه الابيات التي تلهب الوجدان وتبعث في النفس
نشوة علوية غامرة :
اليكم رأيت
الشوق يجذبني جذبا ويوردني من ذكركم منهلا عذبا
فيا نازلي ربع
الصفا لا برحتم تراعون لي حق المودة في القربى
فهل من سبيل لي
إلى القرب منكم فإني ارجو الوصل ما عشت والقربا
رعى الله اياما
مضت لي بحيكم يتيه بها قلبي اذا ذكرت عجبا
متى تجمع
الايام بيني وبينكم وأحظى بوصل يغمر الجسم والقلبا
يضم ديوانه
الجوهر المكنون والسر المصون كثيرا من الشعر الرمزي الذي تجري فيه الصبابة
على الاساليب الحسية وهي في ذاتها معنوية كأن يقول :
جادت سليمى
بالوصال تكرما فسرى السرور إلى الفؤاد وخيما
يا حسنما جادت
به في وصلها أهلا بوصل نلت فيه المغنما
يا ليلة بات
الحبيب يدير من كأس الوصال مدامة ما أنعما
كما فيه كثير
من الابيات الأخاذة المعبرة ، ان شعره يثير كوامن النفس ويدفعها إلى عالم
مشرق جميل رائع فنسمعه يرسلها مدوية صادقة :
أرى محنتي في
الحب أعظم منة ومحنة اهل الحب من اعظم المنن
ويقرر واقعا
جميلا لا يدركه ولا يحسه الا من له إحساس مرهف وشعور رقيق وذوق رفيع وسماع
أصوات المغاني فيه للـ صب المتيم مشرب مستعذب
وهل تسمع هذه
النفثة وتظل كما كنت ؟؟
حركت عندي كل
وجد ساكن وبعثت مني كل شوق كامن
تصف الديار
وأهلها وحديثنا بين الربى في خير ربع آمن
لله عيش قد
تقضى في الحمى بين المقيم على الوفاء ، وظاعن
وما قرأت هذه
الابيات الا وزاد حنيني وشوقي إلى المدينة المنورة والى ايام قضيتها هناك
ما أطيبها ، وأمتعها ، وأعذبها ..
بمعهدنا ما بين
سلع وحاجر مسامر فيه قر بالقرب ناظر
فيا عيشنا
الماضي بسلع و رامة لك الله من عيش به طاب خاطري
به ذقت من خمر
التلاق عتيقها فيا لك من خمر لقلبي مخامر
فلله ما أحلى
التلاق واطيب الـ احاديث في حالات ظبية عامر
لقد كان لي في
الحي ما بين أهله من الأنس ما احيا مواتى سرائر
وهل اروع من
هذا التلهف الصادق الجميل
لهفي على تلك
المقاعد كم بها من قاصر متستر بخمار
وبها من الغيد
الأوانس من اذا كشف الخمار فضحن للأقمار
وفي رائعته /
حجبوا وحسبهم
الحجاب عذاب يا ليتهم سمعوا النداء فأجابوا
وقد شارف على
السابعة والستين من العمر . يقول في صدق ودقة ملاحظة ، وتجربة عمر ..
الشيب انذرني
وأوهن قوتي ولقد مضت لي صحة وشباب
لم أغتنم فيها
النهوض إلى العلا وعلى التحرك قامت الاسباب
انه بلسان
الجميع يتكلم .. وعن شعور الجميع يعبر ، إنني اقول واردد معه في خشوع وصدق
مناجاة وارجو من الله القبول !!
يا من يرى ذلي
وضعفي عد على من إغلقت من دونه الابواب
قدني اليك بحسن
ظني واهدني منهاج قوم اخلصوا وانابوا
ما لي من
الاعمال الا انني احسنت ظني فيك يا وهاب
فأقبل بفضلك
دعوتي يا ملجئي وأمنن بأمني انني مرتاب
قد تبت فأقبل
توبتي في وجهتي من حيث كنت فإنك التواب
احببت قوما كان
حبك قصدهم فهم كما لك عندي الاحباب
وهل يسمع غريب
بعيد الديار هذا البيت ولا يسرع عائدا إلى احبابه ؟
ترحّل إلى ربع
الاحبة قاصدا وإياك من طول الإقامة والمكث
إن الديوان
زاخر بالصور الشعرية المعبرة ، في حسن سبك ، ورقة اسلوب ، وسلاسة الفاظ
ولكنني اقف هنا واردد قوله رضي الله عنه :
سلام عليكم ما
حييت وان أمت سأوصي بكم أهلي ومن جاء من بعدي
|