الصناعات الطينية ، و الحديث عن الطين و العمارة
الطينية أيها الأعزاء حديث ذو شجون ليس لأننا خلقنا من الطين و سنعود إلى
الطين بل لأننا نتعامل مع الطين كل يوم فنحن نزرع في الطين ، و نسكن في
الطين ، و نبني بيوتنا من الطين و تغبر أرجلنا من كثرة ما نمشي فوق هذا
الطين ، فعلاقتنا معشر البشر مع الطين علاقة حميمة قال تعالى ( منها
خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى ) ، و إذا كان الله تعالى
جعل أصل الإنسان من طين في قوله تعالى ( و إذ قال ربك للملائكة إني خالق
بشرا من طين ، فإذا سوّيته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) فهذا
تكريم لنا جميعا أن نتعامل مع هذا الطين ، أيها الأعزاء يطيب لنا أن يكون
معنا اليوم الأستاذ جعفر محمد السقاف مرحبا بك أستاذ جعفر و كما عرفت أن
حديثنا في هذه الحلقة من البرنامج عن الطين : يقول الأستاذ جعفر أن الطين
هو أصل الإنسان و قد استطاع الإنسان الحضرمي أن يتعامل مع مادة الطين منذ
القدم بشكل خاص و بما يلائم بيئته ، و أضاف إليها التبن ( التبل ) كي
تتماسك و قد وجد الباحثون و المختصون أن هناك علاقة قوية بين التبن و
مسامات الطين حبث يتصلب الطين و يشبه إلى حد كبي الحجارة و لعل ذلك مصداقا
لقوله تعلى ( حجارة من طين ) فالطين من المواد القوية و التي تعمر طويلا
فها هو قصر سيئون المبني من الطين يتحدى الزمن و كذلم مدينة شبام التاريخية
و منارة المحضار الشاهقة التي تجاوزت أعمارها مئات السنين و هي شامخة تعكس
مهارة و فنون الإنسان الحضرمي في العمارة .
أيها الأعزاء في إطار الجولات و النزولات الميدانية
للبرنامج قمت بزيارة لمسجد علوى بن عبيد الله الأثري بمدينة بور فرأيت
تاريخا يتحدث عن نفسه ، عندما دخلته و هي المرة الأولى بالنسبة لي و
الثانية لوالدي الذي كنت برفقته ، كنت أبحث عن المسجد و أنا في المسجد ،
أروقة طويلة نسبيا يتسع كل واحد منها لصف واحد فقط من المصلين ، أما
السواري فلم أر سارية واحدة إلا جدارا متواصلا عرضه ما يقارب المتر به
مجموعة من الممرات ( المفاقر ) التي لا تتسع إلا لفرد واحد ربما اضطر أن
يمر منحرفا بعض الشئ و أحسست بأنني عدت قرونا سحيقة إلى الوراء و تساءلت كم
كان أجدادنا عظماء ، و مما أثار استغرابي برودة الجو في المسجد رغم أنه لا
توجد أية فنحات أو مراوح و كانت الأبواب مغلقة ناهيك من أن المسجد مغمور
نصفه في الأرض بفعل عوامل التعرية فعمره كماعرفنا ما يزيد عن الـ 1000 عام
فأدركت أن هذا من مميزات العمارة الطينية ( البرودة في الصيف و الدفء في
الشتاء ) و أعجبني كثيرا الاهتمام الذي توليه السلطة بمثل هذه الآثار فهذا
ما أكده أحد المهتمين بشؤون المسجد :
و الطينة المستخدمة في بناء البيوت في الوادي نوعان
رئيسيان هما : الزبر و الغبة و لكل منهما خصوصيته من حيث البرودة و درجة
الملوحة في التربة و هناك نوع ثالث و هو الطين العادي الذي لا ينتمي إلى
النوعين السابقين ، و في وادي حضرموت أماكن خاصة في مناطق معينة يتم جلب
الطين منها تسمى بـ ( المقالب ) و من أشهر هذه المناطق منطقة تاربة ووادي
بن علي و مدوده و غيرها كثير ، و يتم بناء العمارة الطينية من المدر أو (
اللبن ) المصنوع من الطين و هو أنواع مختلفة منها ما يختص بالطابق الأول أو
الثاني أو الثالث و هكذا و منها ما يخص العكف ( و هو بناء الأسقف على شكل
قباب بالمدر و الطين فقط ) و يصل طول المدرة إلى 18 إنشا و عرضها 12 إنشا (
فوت واحد ) أما سمكها فيساوي إنشين فقط ، و تسمى الأداة التي تصنع بها
المدرة بالمفتل ، أما مكوناتها فهي الطين و التبن ( التبل ) الذي يجلب من
المزارع بعد حصاد محصول القمح و الماء ، و تبدأ العملية قبل البدء في صناعة
المدر ( الضرب ) بليلة فيها تتم عملية التخمور ، أي ملئ الأحواض ـ التي
يقوم عدد من العمال بعملها فوق الطين المراد ضربه ـ بالماء حتى صباح اليوم
التالي كي يسهل التعامل معها و قلب الطين بسهولة ،
و معامل صناعة المدر كثيرة و منتشرة في معظم من مناطق
وادي حضرموت كونها أساس العمارة الطينية. من منطقة تاربة يحدثنا أحد أصحاب
هذه المعامل و هو يرى العمال في انسجام تام يتسابقون في انجاز أكبر عدد من
المدر فالسوق حامي هذه الأيام كما يقول ، و لم أدر ما قصده بكلمة حامي هل
يقصد أن الطلب مستمر و الإقبال جيد ، أم أن الجو حار و لا يستطيع العمال أن
يتحملوا حرارة الشمس طويلا فهم يسرعون ، هذا ما قد نتبينه من خلال حديثه :
و أقل عدد من العمال يمكن أن يقوموا بمهمة ضرب المدر
أي صناعته 3 هذا ما شاهدته عيناي في معمل آخر . و دون شك سيتضاعف الحمل
عليهم و لكنهم رغم ذلك صامدون ، و مما يخفف عنهم بعض هذا العناء ارتجازهم
لبعض الأشعار و خوضهم في بعض الكلام غير المفيد و ربما تبادل بعضهم الكلمات
النابية ، و قد يصل الأمر أحيانا إلى الجدال الذي لا يؤثر سلبا على
علاقاتهم فهم يشكلون فريقا واحدا يكمل بعضهم بعضا . من داخل المقلب لأحد
معامل صناعة المدر يحدثنا العامل ربيع الزاحمة :
إن من مميزات الطين و العمارة الطينية التكيف مع حالات
الطقس و تقلبات درجة الحرارة فهو بارد في أيام الصيف و دافئ في أيام الشتاء
، و هو أيضا شديد التحمل و المقاومة ، فهناك بيوت قديمة جدا كما عرفنا بنيت
من الطين ، و العمارة الطينية تتميز أيضا بشكلها الجمالي و زخرفها الخاص و
الذي يعكس عراقة و أصالة الإنسان الحضرمي و الفن المعماري الأصيل الذي تحدى
و لا يزال كل العوامل المحيطة شامخا شاهدا على حضارات سادت ثم بادت إنها
العمارة الطينية التي أثبتت صلابتها و متانتها و قوتها خلال فترات متعاقبة
من التاريخ .
البقية تتبع لاحقا إن شاء الله ، للتواصل :
05434494 أو 73602233