(( لولا هؤلاء لما رأينا البيوت بيضاء ناصعة البياض و
كذا المساجد و المآذن الشامخة هنا و هناك تضفي جمالا و رونقا و تبعث في
النفس الحياة و الأمل في غد مشرق وضاء )) .. بهذه الكلمات استطاع أن يعبر
عما بداخلة بعد زيارة عند وقت الغروب مع بعض زملاء المهنة قمنا بها إلى حيث
تصهر الحجارة و تصنع النورة كنا أربعة علي و خميس و مازن و أنا ، أخذنا
السائق إلى هناك إلى جوار الجبل من هنا نرى دخانا أسودا قد على الأفق ذلك
هو المكان ، اقتربنا شيئا فشيئا حتى وصلنا مجموعة من الشباب أحدهم يوقد
النار في الفرن في عمل مستمر لا يفتر عنه اقتربنا منه ماذا تفعل أحاب لا
أريد النار أن تخمد و لو لدقيقة هذا سيؤثر على جودة النورة ، درت إلى الجهة
الأخرى أكوام من الحصى يتم جلبه من مجاري السيول و الأودية مثل ساه ووادي
مدر و غيرها ، حصى أملس بفعل مياه الأمطار و السيول يتم تكسيرة كي يتم بناء
الجدران قال لي فهد كرامه بازهير و هو أحد العاملين بالفرن أو كما يسمى هنا
( الميفا ) أنهم يستغرقون يوما أو أكثر في عملية البناء هذه ، و هي من أصعب
الخطوات ، حيث يتم البناء بشكل هندسي خاص يضمن جريان النار بين الحصى يشبه
هذا الترتيب خلايا النحل ،
مكونات الفرن ( الميفاء )
يختلف حجم أفران انتاج النورة من فرن لآخر فقد يتسع
الفرن لـ 3 زفات ( كمية محددة بشحنة سيارة نقل الحجارة ) من الحجارة و قد
يتسع لست . و يتكون الفرن ( الميفا ) من حجرتين بنيتا من الطين و اللبن و
يحرص العاملون على طلائها بالطين من الداخل ( محضها ) كل مرة يشعلون فيها
الفرن لأن تأثير النار شديد جدا يذيب هذه الجدران الطينية من الداخل .
الحجرة الأولى ( الجفنة ) : وهي الحجرة
الأساسية ، يتم فيها رص الحصى و لها فتحتان جانبيتان سفلى و عليا و فوهة
أخرى لإخراج الدخان من أعلى الفرن وهي أضيق مساحة من القاعدة .
أما الحجرة الثانية ( البطن )
: فهي غرفة تزويد الفرن بالوقود و موقعها في مقدمة الفرن ، يتم إشعال
الفرن بعد رص الحصى و سد كل الفتحات بأحكام عدا فتحة تزويد الفرن بالوقود
الذي هو عبارة عن الحطب و الإطارات الفارغة و أشياء أخرى يستعان في إشعالها
بالوقود السائل ، و في أول الأمر يجب إشعال الفرن بقوة و بحرارة عالية جدا
ثم تستمر العملية دون توقف لمدة 40 ساعة أو أكثر أو أقل و كل 12 ساعة اصطلح
أهل هذه الحرفة على تسميتها ( وضح ) و يحدد عدد الأوضاح كمية الحصى و
نوعيته أيضا فقد يصل إلى خمسة أو ستة أحيانا ، يتناوب فيها العمال أدوارهم
ليل نهار ، عملية مضنية ، الدخان يملأ المكان و أحيانا يأتي علينا إنه أسود
حالك صرت أبحث عن زملائي لا أكاد أراهم و لولا الرياح التي تبدده هنا و
هناك لما أبصرتهم ، و كيف تعرفون أن الحصى قد تحول إلى نورة ، قال فهد ،
هناك علامات مميزة كأن يصل اللهب إلى أعلى فوهة الفرن ، و للتأكد يصعد
أحدنا و باستخدام ملعقة طويلة يسحب جزءا صغيرا من الحجارة و نختبره . عنها
تنتهي عملية تزويد الفرن بالوقود و نتركه 24 ساعة أو أكثر قليلا حتى يبرد ،
و نبدأ بعملية إخراج الحجارة التي تحولت إلى نورة . و هذه عملية غاية في
الخطرة و تحتاج إلى شخص ممارس يتحمل ما تبقى من حرارة الحجارة و كذا
المكونات الكيميائية للجير ( كربونات الكالسيوم ) .
رأينا في هذه المنطقة البعيدة نسبيا عن منازل المواطنين
ما يزيد عن 30 فرنا ، كلها تعمل ، تخيلت المنظر لو أنها كلها عملت في آن
واحد كيف سيكون الوضع ؟ بلا أدنى شك سيصير النور ظلاما و والنهار ليلا ،
ناهيك عن التلوث البيئي الناتج عن هذا ، إذن لابد من مخرج ، من هنا نلفت
انتباه الجهات المعنية لإيجاد حلول ووضع خطط لنقل هذه الميافي إلى أماكن
صحية ، لاتضر بأصحابها الذين يعتبرونها مصدرا وحيدا لدخلهم و لا بالسكان من
المواطنين .
غادرنا المكان و نحن نقدر و نكبر هؤلاء الجنود
المجهولين الذين يبيتون ليل نهار لأجل هذا العمل الوطني و إدخال الصورة
الجمالية لفننا المعماري و كلما رأينا بيتا أو مسجدا أو متجر أو مبنى مطلي
بالنورة من الداخل أو الخارج تذكرنا هذا الجهد المبدول ، و ما أكثر الجنود
المجهولين في بلادي .
بعد أن تخرج النورة من الفرن و تسوق للبيع تبدأ مرحلة
أخرى و حرفة أخرى هي السباطة ، و السباطة تعني معالجة الجير و تحويلة إلى
معجون يسهل التعامل معه و استخدامه لتبييض أو تلييس المنازل و الفنادق و
المباني عموما و هي خطوات تبدأ بالطفي و تنتهي ، و يسمى المكان الذي تمارس
فيه حرفة السباط بالمحقاط ، وهو قطعة من الأرض صغيرة رصعت بالحجر و جعلت
فوقها ظلة تقي العاملين حرارة الشمس ، أما الأداة المستخدمة فهي المسباط و
هو عود خاص غالبا ما يكون من شجرة السدر منحني قليلا بحيث تسهل به عملية
سباطة النورة ( أي ضربها و دهسها ) بعد فرشها على المحقاط ، و لاشك أنك
رأيت أعدادا كبيرة من المحاقط على الطريق العام ، أنا أيضا رأيت بعضها ، و
قد توقفت ذات يوم عند أحدها بمنطقة تاربة و اقتربت من صاحب العمل و كان
يعمل بمفرده و عادة ما يتكون الفريق ما بين 2 – 6 من الشبان النشطاء . توقف
عن السباطة و ياليتني تركته يعمل حتى تسمعون ما كان يردده من أشعار تذهب
عنه الملل فمن أشعار السباطة : يا مروح بلادك ليل و الشمس غابت و غيرها .
و قد تطورت عملية السباطة الآن و أصبحت تمارس بالآلات
الميكانيكية التي انتشرت مؤخرا . و هذه طريقة جديدة حيث يستفاد من مخلفات
السيارات القديمة و تؤلف محليا و تصمم و تربط بماكينة تعمل بالديزل ، و إذا
رأيتها فإنها تذكرك بالمعصرة عاشور المغي كان يعمل بالمسابيط ثم استعاضها
بالماكينة ترى ما هي الأسباب .
إن صناعة النورة من أشهر الصناعات الشعبية في بلادنا و
إلى يومنا هذا ظلت النورة محتفظة بمكانتها ، و جودتها إن لم أخطئ ، و حاول
الفنييون إدخال بعض الأفكار على صناعتها و لكنها لم تنجح إلى الآن و لا
تزال المحاولات مستمرة ، و لا ندري هل ستبقى صناعة النورة صناعة شعبية
متميزة في وادي حضرموت يطلبها القاصي و الداني ، هل ستحتفظ بيوتنا و
منازلنا بطابعها و رونقها الفريد ، هل سيحافظ المشتغلون بهذه الحرفة على
الجودة و النوعية ويبذلون الجهد الذي كان يبذله آباؤهم و أجدادهم ، هذا ما
نرجوه .
شكرا لكم و إلى اللقاء ..
البقية تتبع لاحقا إن شاء الله ، للتواصل :
05434494 أو 73602233