التنار أو التنور هو الفرن الخاص بتحضير الخبز بشكل خاص
كما يستخدم للشي و أغراض الطبخ الأخرى و هو اسطواني الشكل باحجام مختلفة.
تتم صناعته محليا في عدد من مناطق وادي حضرموت و من أبرز هذه المناطق منطقة
الحزم بمديرية شبام ، ولاشك عزيزي المستمع أنك قد رأيت كثيرا من التنانير
على جانبي الطريق و أنت قادم من مدينة شبام العالية مرورا بمنطقة الحزم
فالحوطة حتى وصلت مدينة سيئون و لو أنك واصلت رحلتك إلى الغناء تريم لوجدت
هناك معامل أخرى و مصانع يدوية مميزة لصناعة التنانير التي أدخل عليها
الفخاريون اليوم تحسينات و إبداعات جعلتها أكثر تميزا ، جمعت بين الأصالة و
المعاصرة ، رغم التنافس القوي الذي يحاول زحزحة هذه الصناعة المحلية و
استبدالها بما هو مستورد كما هو الحال في كثير من الصناعات الأخرى ، فأصبح
التنور الحضرمي يعمل بالحطب وعلى الغاز أيضا حيث قام الصنّاع بفتح ثقب صغير
في أسفل التنور من خلاله يمكن أن يمر أنبوب يتصل بموقد صنع أيضا محليا و
منه إلى اسطوانة الغاز ، و مما يميز التنور الحضرمي أنه أكثر آمانا للمرأة
كونه يعزل الحرارة عن سطحه الخارجي فلا تخاف حريقا أو لذعة نار فتخبز فيه
كل ليلة دون عناء أو قلق . ويصنع التنور كما هو معروف من الخزف و منه ماهو
محروق و منه ما دون ذلك ، خالد صالح دعكيك صانع تنانير في مدينة الحزم
الشهيرة زاره ميكرفون البرنامج في معمله فرحب بنا ترحيبا حارا تفوق حرارته
حرارة التنور لو كان مشتعلا !! و فتح باب المعمل على مصراعيه ، ولجت دون
تردد أو حرج فقد أشعرني و كأنني أعرفه منذ زمن بعيد . رأيت في المعمل
أشياء بسيطة : أكوام من الحجارة و مجموعة من الأواني الحديدية المستعملة
كعلب الحليب و السمن و ما إلى ذلك . يأخذني من ركن إلى ركن وهو يشرح لي
طبيعة العمل ، و في حوض صغير كانت الطينة الجبلية قد عجنت بالماء و الطين
( الزبر ) و نشارة الخشب ، يا ألله ملمسها ناعم ، منها نصنع التنانير يقول
خالد ، و مما أثار استغرابي و جود بعض الأسمنت فسألته و ما وظيفة هذا
الأسمنت ؟ ابتسم و قال هذا ليس أسمنتا ، هذا البرم نطلي به سطح التنور من
الداخل حتى يتماسك و يسهل نقل الخبز بعد نضجه ، نجلبه من شبوة على شكل
حجارة ثم نرضه و ندقه و نعطيه الطحان فيجعله هكذا يشبه الأسمنت إلا أنه أخف
كثافة و أنعم ملمسا ، و تختلف أحجام التنانير فأصغرها يتسع لقرصين من
الخبز ويصل ارتفاعه إلى ذراع أو ذراع و نصف و قطر فوهته فوت واحد ، أما
الأكبر فقد يصل ارتفاعه إلى ذراعين و نصف أو ثلاثة و قطر قاعدته إلى فوتين
و يتسع لعشرة أقراص من الخبز ، و تحدث خالد دعكيك عن خطوات العمل التي تكون
كلها باليد فقط :
أما في تريم فقد توصل صنّاع التنانير إلى طريقة جديدة
لصناعتها وتنانيرهم تختلف عن التنانير الأخرى فهي محروقة و هذا يعني أنها
أمتن و أصلب و أغلى أيضا ، فهم يحضرون الطينة و يضعونها في إطار خاص يسمونه
( مفتل ) سمكه يقارب الإنش ، ثم تلف على قالب معد لهذا الغرض بشكل اسطواني
و هذه مهارة لا يجيدها إلا خبير فيحصلون على شكل التنور ، بعد إعداد التنور
يترك حتى يجف ثم يتم إدخاله الفرن ( الكير ) ليحرق فيكتسب صلابة و مناعة ضد
الماء و عوامل التعرية الأخرى و يصير فخارا ، وعملية الإحراق هذه عملية
محسوبة و دقيقة فيجب أن يتعرض كل جزء في التنور إلى النار و إلا فإنه ينهار
و يتفتت سريعا و يتلف ، و يمكن للكير أن يتسع لأربعين أو خميسين تنورا في
عملية واحدة يتم وضعها بصورة فنية ، في أحد معامل صناعة التنانير لآل باني
بمدينة تريم عرفت ذلك :
صناعة التنانير أيها الأعزاء حققت رواجا داخل وادي
حضرموت و خارجه و إلى اليوم لم يستطع الإنسان الحضرمي الاستغناء عنها فهي
موجودة في كل بيت حضرمي بلا أدنى شك ، و خصوصا بعد أن تم تطويرها و جعلها
تعمل بالغاز ، و ما أسعدك عزيزي المستمع عندما تجتمع مع أفراد أسرتك عند
وجبة الإفطار أو العشاء فتأتي ربة البيت و بيدها سلة الخبز ( الحار ) تتأنى
في مشيتها و قد سبقتها رائحة الخبز التي لا تقاوم إلى الأنوف و أصبح الكل
مترقبا نصيبه من الخبز الطري فيأكله هنيئا مريئا باعثا في النفس الحيوية و
النشاط لاستقبال يوم جديد . و يأتي الأولاد عند الظهيرة يبحثون عما تبقى من
خبز الإفطار في سلته المعروفة أو كما يسميها الحضارمة ( المحملة )
فيتقاسمونه فيما بينهم و يرضى كل واحد منهم بنصيبه ، التنور أيها الأعزاء
صناعة شعبية نعتز بها و نفتخر فهي تصدر إلى بعض الدول المجاورة مثل سلطنة
عمان و المملكة العربية السعودية و دولة الإمارات العربية المتحدة .
و عن الإقبال في الداخل و عما إذا كان هناك منافس شريف
للتنور على الساحة دخلت محلا لبيع التنانير و بعض الأدوات و اللوازم الأخرى
في مدينة سيئون و وسألت صاحب الدكان كيف الإقبال
على التنانير فأجاب و قد علت وجهه البهجة الحمد لله الإقبال جيد و كبير ،
فالناس لا زالوا يحبون الخبز البلدي فإن له مذاقا خاصا خصوصا ( البر الرهيف
مع الصانة ) ، و التنانير المحلية ممتازة أولا ما تحرق النساء و هن
يخبزن لأنها مصنوعة من الشقف ، بالعكس تنانير الحديد ، خطيرات جدا و
حتى النساء يخفن منها . و كل الأنواع هنا مطلوبة أبو عشرة أقراص و أبو
قرصين ، و الآن ابتكروا طريقة جديدة ، يعملون ( شول ) على الغاز و لها فتحة
من أسفل التنار ترتبط باسطوانة الغاز ، بس الحطب وحده .
عزيزي القارئ
إذا مضى عليك يوم لم تتذوق فيه خبز التنور ،
فكيف يكون شعورك ؟
إن الاستغناء عن التنور الحضرمي و خصوصا في مناطق
الوادي أمر يكاد مستحيلا لذا ينبغي علينا أن نساهم في تشجيع هذه الصناعة
الشعبية المحلية و تسهيل و تذليل كافة الصعوبات لصناعها كل بحسب استطاعته و
قدرته و لا نترك غيرنا يهتم بموروثنا أكثر منا فنحن أهل الشأن و علينا تقع
المسؤولية أولا و أخيرا
البقية تتبع لاحقا إن شاء الله ، للتواصل :
05434494 أو 73602233