|
عام 1953م عاد أبي من الحبشة في زيارة قصيرة لـ( مدودة ) ومن الكتب اللتي
أحضرها معه كتاب الأستاذ ( صلاح البكري ) تاريخ حضرموت السياسي . في طبعته
الأولى وفي الجزء الثاني منه قرأت قصائد لشعراء من حضرموت ذكرهم الأستاذ
البكري منهم : علي أحمد باكثير ، صالح بن علي الحامد ، محمد بن شيخ المساوى
والأستاذ عبدالله عمر بلخير ـ كل هؤلاء كان لي معهم في مابعد لقاءات
وذكريات سأكتب عنا لاحقاً إنشاء الله ـ
عام 1954م كان أحد الأصدقاء يتردد على عدن وفي حديث معه تطرق إلى اسم مكتبة
عربية لبيع الكتب لصاحبها ( منشئ غلام محمد ) وعند عودته إلى عدن كتبت
رسالة لصاحب المكتبة أطلب منه إفادتي عن اسماء بعض الكتب وسعرها وكيف
ارسالها الى حضرموت .. فما هو إلا أن رد عليَّ برسالة مرفقاً بها فهارس
مكتبته وكان لهذا الفهرس كبيراً عليَّ إذ نقلني إلى عالم الكتب القديم
والحديث وعرفت منه اسماء كثير من الكتاب والشعراء والمفكرين والمعاصرين
وطلبت منه بعض الكتب وفعلاً قام بارسالها إليَّ عبر البريد ( عدن ـ سيؤن )
ومنها كتاب ( رجعة أبي العلاء / عباس محمود العقاد ) وكتاب ( مختارات
المنفلوطي ) وكتاب ( المفرد العلم / لأحمد الهاشمي ) وغيرها . وكان فهرس
مكتبة منشئ غلام محمد بعدن مما شدني بقوة إلى مكتبة ( بن سلم ) بأديس أبابا
في ما بعد كما سيأتي وكان خير دليل لي ..
في أواخر عام 1955م التحقت بأبي إلى ( أثيوبيا ) للعمل هناك ، وفي عدن في
بيت ( للشيخ صالح بن عبدالله الجرو ) رحمه الله عثرت على نسخة من ديوان
الشاعر الكبير ( صالح بن علي الحامد / ليالي المصيف ) في طبعة أنيقة وأخراج
ممتاز ومن شغفي بالديوان ومقدمته الرائعة بقلم الشاعر نفسه قمت بنقل
المقدمة وبعض قصائد الديوان إلى دفتري واستعار الديوان أحد الأخوان بأديس
أبابا ولم يعده لي وضلت المقدمة بين أوراقي ..
وفي اثيوبيا ( الحبشة ) كانت إقامتي ومقر عملي بأديس أبابا العاصمة وهي
لفضة ( أمهرية ) ترجمتها بالعربية ( الزهرة الجديدة ) أديس أبابا . تلك
المدينة التي سبقني شوقي إليها كما أسلفت وأصبحت واحة خضراء أستظل بها من
هجير الحياة . ووجدت نفسي بين مجموعة من هواة الأدب وعشاقه ومن حسن الطالع
أن كان أستاذي وزميلي في العمل رجل طيب كريم هو ( الشيخ الأستاذ محمد أحمد
بن سلم ) رحمه الله مغترب قديم بأديس أبابا ولديه مكتبة عربية عامرة لبيع
الكتب وتوزيع الصحف والمجلات وله اتصالات قوية بدور النشر والتوزيع ببيروت
والقاهرة وكان لهذه المكتبة دور في توسيع مداركي فمن هذه المكتبة المتجددة
بالكتب والمجلات العربية رحلت في دنيا الأدب والفكر وعرفت عوالم كنت أجهلها
وقرأت شخصيات كنت أتطلع إلى قراءتها فقرأت لعمالقة الفكر العربي ورواده
العقاد ، طه حسين ، سلامة موسى ، ميخائيل نعيمة ، جبران ، مارون عبود ،
مصطفى صادق الرافعي ، أحمد أمين ، لطفي السيد ، أحمد زكي والعلامة محمد كرد
علي والشاعر خليل مردم وغيرهم كثير ، والشعراء الأخطل الصغير ، إلياس ابو
شبكة ، أبو القاسم الشابي ، عمر أبو ريشة وغيرهم . كما وجدت عدداً من
مسرحيات الأستاذ علي احمد باكثير في طبعاتها الأولى : سلامة القس ، ليلة
النهر ، وا إسلاماه وقد عرفت بحضرموت مسرحية باكثير ( همام أو في عاصمة
الأحقاف ) في طبعها الأولى ( المطبعة السلفية لمحب الدين الخطيب ) وكنت
معجباً بها .
وفي أديس أبابا في مكتبة بيت الوالد ( عمر بن أحمد بن سالم بن محمد باحميد
) وجدت عدداً من الكتب التي كان لها أثراُ عليَّ منها كتاب المجاهد
الفلسطيني الكبير الصحفي الكاتب ( محمد علي الطاهر ) ( في ظلام السجن )
وفيه عرفت الكثير عن حياة الأديب النابغة الحضرمي المصري علي أحمد باكثير
في مصر لم أكن أعرفها من قبل . وقرأت لنجيب محفوظ ، عبدالحليم عبدالله ،
يوسف السباعي وعبدالحميد السحار ( ومعظم منشورات لجنة النشر للجامعيين )
وكنت في تلك الفترة لا أجد راحة ولا متعة في أوقات فراغي ـ وما أقلها ـ إلا
في القراءة ، المطالعة والكتابة .. وكان في أديس أبابا ـ وقتها ـ مجموعة من
الاخوان من مدينة سيئون أقضي بعض الوقت معهم ومنهم اتعرف على أخبار سيئون
ومنهم الأخ محمد عبدالله جواس ٍ( العاقل ) موجود بأبوظبي وعبدالله بن حسن
جواس وعبدالقادر بن محمد بافضل ( بوحامد ) وعبدالقادر باكثير وعددا من
أهالي مدينة شبام منهم الأخوان أبوبكر الجرو وفيصل باعبيد والشيخ سالم
حميد ربطتنني بهم صداقة وزمالة طيلة مقامي بإديس أبابا رحم الله من مضى
وامد الله في عمر من بقى . وكتبت في تلك الفترة ما حضر لي من شؤون الأدب
بحضرموت بل في سيؤن بالذات وأقرأ ما أكتب على مجموعتي الصغيرة في أيام
الآحاد ( العطل الأسبوعية في اثيوبيا ) ويكتب بعض الأخوان مواضيع كذلك
وكانت أياماً جميلة ممتعة . وأذكر أنني كتبت في تلك الفترة مقالاً بعنوان (
حضرموت ) كتبت فيه عن الطبيعة والأدب بحضرموت وقد أفادتني مقدمة ( ديوان
ليالي المصيف ) كثيراً ومن خلالها تعرفت على شخصية ( الحامد ) واسلوبه في
الكتابة كما افادني ما قرأته سابقاً في أعداد صحيفة النهضة عندما كنت
بمدودة
في عام 1958م كانت كتابة أول قصيدة رأيت أنها تستحق القراءة أمام مجموعتي
الصغيرة .. وفعلاً في جلسة من أماسي الآحاد بأديس أبابا قرأتها وهي بعنوان
( حضرموت )
|
بلدي لا أنساك مادمت حياً
ولو أن الزمان جار عليا
نزعتي الأيام عنك بعيدا
وهواك مازال عندي فتيا
أنت أرض الصبا والأمل العذب
وأرض الهوى ، وأرض الأماني
أنتي أرض الجدود ، والأهل ، والأصحاب
ياغرة بوجه الزمان
ذكريات الصبا تعاودني فيك
بقرب الحقول وسط النخيل
في المروج الخضراء نمرح حباً
في انتشاء نختال وقت الأصيل
إنها حضرموت في ثوبها الزاهي
كساها الإله ثوباً جميلاً
وعليها من الجمال وشاح
وضع الحسن فوقها إكليلاً
|
وتحمس لها الحاضرون وأبدو إعجاباً بها أدهشني وأخذ البعض في قراءتها بصوته
.. وهكذا دخلت محراب الشعر وأخذتني شياطين الشعر كما يقال في أوديته وشعابه
، وهاأنا أعيش هذا الهوس الشعري ولا أدري إلى أين ينتهي بي ؟
|