|
ومن هذا الكتاب الصادر عن ( مخيم أبي الطيب ) بعدن تعرفت على بعض أدباء
وشعراء عدن آنذاك , كما عرفت دور أسرة آل لقمان الأدبي بمدينة عدن ( ولنا
عودة إلى ذالك ) .
تابعت القراءة على عدد من الأساتذة بمدودة في علوم النحو و ا لتجويد و
الفقه و التاريخ وغيرها من العلوم العربية المتاحة . ومن أساتذتي الشيخ (
علي بن محمد بن علي باحميد) و (محمد بن عبدالله بن سالم باحميد ) و (
عبدالقادر بن احمد بن سعيد باحميد) و الأخرين هما من خريجي (رباط تريم
العلمي ) في عهد العلامة الجليل ( عبدالله بن عمر الشاطري ) و غيرهم من
الأساتذة و المربين بمدوده . وكانت فترة تحصيل مكثفة لا نخرج من حلقة استاذ
الا دخلنا حلقة آخر .. وهكذا طيلة الايام .
وعثرت في مكتبة أبي على أوراق لجدي ( سالم بن عمر بن محمد باحميد ) المتوفى
عام 1342هـ ) بمدوده .. ومن أوراق جدي رحمه الله تعرفت على أخبار حروب
الدولة العلية (العثمانية ) مع الدول الأروبية , ايطاليا , اليونان , روسيا
, وحروب طرابلس و برقة .. وكان جدي رحمه الله يكتب كل هذا بأسلوب سلس أخاذ
في رسائله لأصدقائه بحضرموت عندما يكونوا باندنوسيا , و كان يحتفظ بصورة
كاملة من كل رسائله . وعرفت أخبار حضرموت السياسية و رجالاتها كالوزير
الخطير السيد ( حسين بن حامد المحضار ) وذلك من خلال رسائل جدي عندما يكون
بحضرموت لأصدقائه باندنوسيا ..
كما وجدت بين أوراقه أعداد من مجلة ( الجوائب ) لأحمد فارس الشدياق ـ وبعد
ذلك بسنوات طوال تعرفت على الدور الكبير لأحمد فارس الشدياق في النهضة
الأدبية الحديثة وذلك من خلال الكتاب الفريد الذي كتبه شيخ النقاد العرب (
ابومحمد مارون عبود ) عام 1949( احمد فارس الشدياق صقر لبنان ) .. و الفضل
في شد انتباهي للشدياق هو عثوري في بداية حياتي على (أعداد الجوائب )
وبعض مطبوعات دار الجوائب بين اورق جدي رحمه الله ـ
وهنا أجد نفسي مدفوعا إلى الاستطراد . كما سيلازمني الاستطراد في حديث
الذكريات هذا كثيرا اذ لا يخلو من فائدة أو متعة ـ
تأثرت كثيرا بأسلوب جدي و كتاباته .. و هذه صورة قلمية رسمتها لجدي رحمه
الله ومنها تعرفون مدى تعلقي , وتأثري به :
كانت بداية تكويني الفكري أن شربت , ونهلت من هذا النبع الصافي , من هذه
النفس المشرقة المتفتحة للحياة , و المحبة , و الأمل , من هذه النفس
الأبية الكبيرة , من هذه الأحاسيس الفياضة والمشاعر الدافئة , و الوجدان
المتأجج , من هذه العاطفة القوية الصادقة . من هذا المتعلق بالكتب و
المطالعة , و القراءة , وتدوين مايراه من الفوائد و الابيات الشاردة صاحب
الذوق الادبي الرفيع .. من هذا الذي وجدت بين اوراقه مثل هذه الابيات التي
حببت الي الكتب و القراءة من وقت مبكر :
اذا لم تكن حافظا واعيا فيجمعك للكتب لا ينفع
اتنطق بالجهل في مجلس وعلمك في البيت
مستودع ؟
و
ليس في الكتب و الدفاتر علم انما العلم في
صدور الرجال
كل من يطلب العلوم فريدا دون شيخ فانه في ظلال
ومثل :
لو كان هذا العلم يدرك بالمنى ما كان يبقى في البرية جاهل
فاجهد ولا تكسل ولا تك غافلا فندامة العقبى لمن يتكاسل
من هذا الذهن الثاقب , المتطلع ببصيرة في مجاهل المستقبل , من هذا القلم
الذي وقع ما تخوفه و تنيأ به بعد نصف قرن من نبوءته من هذا الفكر النير , و
الاسلوب الرقراق من هذا الذي عرف الايام وعركها حتى انطبق عليه قول الشريف
الرضي :
لساني حضاة تقرع الجهل بالحجا اذا نال مني العاضة المتوثب
ولست براض ان تمس عزائمي فضالات ما يعطي الزمان و يسلب
غــرائب اداب حباني بحفظها زماني وصرف الدهر نعم المؤدب
ويحق له ان يقول مع الشريف :
وللحلم اوقات وللحهل مثلها ولكن اوقاتي الى الحلم اقرب
يصول علي الجاهلون و اعتلي ويعجم في القائلون و اعــرب
يرون احتمالي غصة ويزيدهم لواعج ضغن انني لست اغضب
ولا اعرف الفحشاء الا بوصفها ولا انطق العوراء و القلب
مغضب
وانه لكما قال الازدي محمد بن عبدالله :
|
ولا ادفع ابن العم يمشي على شفى
ولكن اواسيه وانسى ذنوبه
و حسبك من ذل وسوء صنيعة
|
|
و إن بلغتني من اذاهُ الجنادع
لترجعه يوما اليّ الرواجع
مناواة ذي القربى و إن قيل قاطع
|
و مع هذا فكأنني بصوته عبر السنين يزمجر في قوة و اندفاع بأبيات ( سعد بن
ناشب) :
|
وفي اللين ضعفٌ و الشراسة هيبةُ
و مابي على من لان لي من فضاضةٍ
|
|
ومن لم يُـهب يُحمل على مركب وعرِ
ولكنني فضٌ ابيٌّ على القسرِ
|
وإن نفسه الجبارة :
|
معودة ان لاتكف عنانها
لها من وراء الغيب أذنٌ سميعة
|
|
عن الجد إلاّ ان تتم امورُ
وعينٌ ترى مالا يراهُ بصير
|
إنه طلما هتف معتزا بنفسه امام الصعاب التي تلاحقه و ما اكثرها :
|
إذا انا لم اعط المكارم حقها
ومن تكن العلياء همة نفسه
وإنه يدرك حكمة ( زهير ) :
و من لم يُصانع امورِ كثيرةٍ
|
|
فلا عزني خالٌ ، ولا ظمني أبُ
فكل الذي يلقاة فيها محبب
يضرّس بأنيابٍ ويؤطى بميسمِ
|
... |