في مطلع عام 1970 وكنتٌ
أعرف الاستاذ الصبان دون التواصل به أرسل الي طالبا بعض قصائدي لأنه بصدد
كتابة دراسة عن الشعر بحضرموت فأرسلت له بعض أعداد الطليعة الحضرمية
الصادرة بالمكلا و قد نشرت بعض قصائدي في الستينات و ارسلت له بعض القصائد
مكتوبة بخطي وبعد فترة أعادها الي .
وعندما
أصدر كتابه القيم (
الحركة الادبية بحضرموت ) أهداني نسخة منه ، و إذا بي واحدا من الذين تحدث
عنهم وأورد بعض قصائدي و اعتبرت ذلك شهادة تقدير أعتز بها وأفخر وبقراءة
سريعة لهذا الكتاب القيم يدرك
القارئ مدى الجهد و المعاناة التي بذلها الاستاذ
الصبان في هذا
السبيل ، فجاء الكتاب صورة صادقة ومركزة و موجزة ومفيدة عن
الحركة الأدبية من فترة ما قبل الإسلام إلى 1387هـ إنه مجهودٌ عظيم ، يقول
الأستاذ الصبان في مقدمة كتابه هذا ( إن هذه البقعة التي يحددها المؤرخون
بأنها تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية و التي هي مخلاف
من مخالف اليمن والتي تسمى حضرموت لها آدبها قديما وحديثا عبر ادوار
التاريخ ولن تجد من الباحثين من يكتشف دربها ولا مناجمها الأدبية و تحليل
آثار أدبائها فالآثار لا تزال مطمورة يغمرها الظلام ) إنه يتوجع ويتألم وهو
يرى هذا البلد حضرموت وفكرها وأدبائها لا زالوا مجهولين مغمرين لا يجدون من
ينفظ التراب المتراكم على إنتاجاتهم حتى تعرف الأجيال القادمة الدور الأدبي
الكبير لهذه البلا حضرموت ، مذ قال الملك الضليل ( امرؤ القيس الكندي ) :
دمون انّا معشر يمانون
واننا لأهلنا محبون
و حتى رفع سليل
كندة و حفيد امرؤ القيس ( علي أحمد باكثير ) عقيرته مجابها
مفاخرا بعد ان
جاب عددا من الأقطار وبعد أن خبر الناس و الحياة :
و لو ثقّفتَ يوما حضرمياً
لجاءك آيةً في النابغينا
تربى الأستاذ
عبد القادر الصبان في بيت علم وأدب غرس فيه روح الوطنية الصادقة و التي لا
تفرق بين مدينة ومدينة أو بين إقليم وقليم لهذا نراه عندما يجد الأدب
الحضرمي بكل حضرموت عرضة للإهمال وعدم الإهتمام و يرى مخطوطاته النادرة
المتناثرة في المكتبات عرضة للضياع و الاندثار يهتف صارخا :
إنني اتطلع إلى جمع تلك
الثروة العلمية وجعلها في مكتبة مؤصدة حتى تكون تلك الثروة محتفظة بهيكلها
و قوتها ويستفيد منها الدارس و الباحث .... هكذا في مقدمة تقريرة عن
لجنة مسح المخطوطات بمديرية سيؤن و مديرية دوعن وفي حزن وألم يوضح أسباب
غياب أدب حضرموت وفكرها عن الساحة الثقافية العربية فيقول في مقدمة كتابه
الرائع ( عبد الصمد باكثير في القرن العاشر الهجري ) :
كان الأدب و الشعر
بالذات في القرن العاشر الهجري ( السادش عشر الميلادي ) في الأقطار العربية
يشهد و يعيش أسوأ عصور الإنحطاط و التردي و الإنحدار إلى الهوة . و كان
الشعر في حضرموت آنذاك مزدهرا في الإشراق اللغوي و المتانة و قوة التعبير
وسلامة التركيب و سمو المعنى لكن ذلك الشعر المتدفق حيوية ، المرتبط بالشعر
العربي في إطار اللغة العربية السليمة ، وفي مذاهب الشعر العمودي و
ارتباطاته لم يقدر
له أن يكون في متناول يد الأديب أو القارئ العربي ، بل لم
يحضَ الشعراء و الأدباء الحضرميون بالدراسة التحقيقية لهم ولإنتاجهم ، و
بقي مغلفا بغلاف النسيان والإهمال فلم يأخذ سبيله إلى النشر وبقيت تلك
الثروة الأدبية بالشعر و الأدب و التاريخ حبيسة أو مطمورة تحت رمال النسيان
و الإهمال المشين .
لقد عامل التقسيم
السياسي سببا لتقسيم الأدب العربي و الشعر إلى أدب و شعر قطري ، مصري ،
سوري ، عراقي ، حجازي وهكذا ، وانجر الأدباء و الشعراء إلى هذا التقسيم
وهذه التجزئة و اعتنى كل قطر بأدبه وفكره ، وكان في حد ذاته جرم وعبئا
على الأدب العربي و
قد كان أدب أمة واحدة تفاعلت مع حوادث الزمن كافة تنطق
بلسان واحدة تضمها .. قوامها اللسان العربي الأول نفسه ، لقد قسم الأدب
قديما ككل وكان ذلك التقسيم على حسب الأدوار التاريخية للأمة العربية وحسب
، أدب ما قبل الإسلام ( جاهلي ) ، ومخضرم ، و إسلامي ، ومحدث كما قسم فيما
بعد إلى أدب نهضة و أدب ما قبل النهضة .
لكن التقسيم السياسي
للبلاد العربية و خضوع العرب للتجزئة الطارئة ، يعتبر جرما ، فقد نتج عن
هذا التقسيم أن أصبحت الكلمة تبعا للوضع المخزي ، وأصبح ذلك الوضع ينشر و
يدفع الأدب في طريقه الخاص به حسب نظام التجزئة و على
ذلك الأساس المؤلم
التفت كل قطر إلى أدبه وأدبائه فقط ، وفي حضرموت أهمل الشعراء و المؤلفون
و المؤرخون وغلفوا بغلاف الإهمال و النسيان .
و في القرن التاسع عشر
الميلادي بدأت جهود فردية تقوم بنشر و طبع نزر بسيط من ذلك الإنتاج وطبعت
بعض الدواوين الشعرية و كتب في الأخلاق و السير و التراجم ، قام به بعض ذوي
الأرجحيات من الحضارمة أنفسهم وكانت قوة الدفع لذلك مقومات خاصة لنشر كتاب
ما أو ديوان ما ... اهـ
لقد وصف الأستاذ الصبان
تقسيم الأدب العربي الحديث وصفا دقيقا لم يفطن لها كثير من مؤرخي الأدب
العربي ونقاده .
إن تطور تسمية التقسيم
الأدبي تسلل بهدؤ مقصود إلى قلب الثقافة العربية ليمزقها من الداخل و يبث
روح الفرقة و التمزق و العصبية الأقليمية بين الشعب العربي الواحد لتجعلها
الشعوب العربية بطريقة لا تكاد تدرك مكراً ودهاء !!
فتطور التسمية و
التقسيم في الأدب العربي من أدب عصور ومراحل تاريخية إلى أدب أقطار مبعثرة
ومفرقة يظهر ولأول وهلة وكأنه تقسيم طبيعي جاء عفويا ، ليس له دلالة أو
غاية أو هدف و بإمعان النظر نجده كما قال الأستاذ الصبان ( قطب الرحاء )
الذي يدور حوله التقسيم السياسي للبلاد العربية و تمزيقها وتعميق الحدود ،
وبالتالي تعميق الهوة بينها من خلال الفكر و الأدب و الإنتماء !!
ولعل
الشاعر العربي ( فؤاد الخطيب ) رحمه الله في قصيدته ( إلى جزيرة العرب ) قد
ألمّ بهذا حيث يقول :