|
في عام 1965م توفي شاعر العاطفة الكبير صاحب صحيفة الرأي في
المكلا السيد الأستاذ ( حسين بن محمد البار ) و كنتُ معجبا بأسلوبه و
بشعره و قرأتُ ديوانه ( من أغاني الوادي ) المثير للإحساس و الوجدان ..
و ظلت قراءتي لديولن من أغاني الوادي تتفاعل بداخلي حتى كتبتُ مقالي
(في ذكرى رحيل الشاعر حسين محمد البار السادسة الثلاثين) نشرت في
الملحق الثقافي لـ ( صحيفة
الثورة ) صنعاء العدد ( 13312 ) بتاريخ 29محرم 1422هـ موافق 23 ابريل
2001م ، أما قصيدة الرثاء التي كتبتها فور وفاته فقد نشرت في (
صحيفة الرأي ) العدنية عام 1965م . .
ما بقي
الفن في بلادي ستبقى
في رثاء الشاعر الاديب الاستاذ
حسين بن محمد البار صاحب ديوان ( من أغاني الوادي )
|
نيّرٌ
غاب ممعنا في غيابه ربة الشعر في الاسى تردت كان عنها يذود
في كل حين فقد الشعر في بلادي اديبا فقد الشعر اذ توارى
حسينا صمت الرائد الذي يحمل الصدق يا لصوت مناضل أخرصته
قد توارى في الغيب راح بعيدا إنه الموت والبرية تفنى
نذر النفس للكفاح ولم يرنُ طالما قال يا بلادي وعانى
وغدى الفن في بلادي كئيبا مات راعيه ! في المكلا
وابقى مات القى قيتاره في إباء ما بقى الفن في بلادي
ستبقى انت شاركت شعبنا في امانيه ترسل الشعر رائعا
وانيقا حاديا ركبنا بالحان صب إنه الشعر خالد كل عصر
( من أغاني الوادي) غداة نعوه ( من أغاني الوادي) ونايي
حزين (من أغاني الوادي ) ستبقى نشيد سيظل الوادي يردد
لحنا يارفاقي تحية وسلاما كرموه .. وكرموا كل فذ
وابعثوا في الديار سوق عكاظ واجعلوا موطني يغني سعيدا
ويتيه بحاضر صنعته وسلام لروحه في ذراها وأمرحي في
ربى الخلد وطوبى واشهدي زحفنا فإنا أفقنا ماضيا في طريق
كل أبي |
وغدى
الشعر باكيا في رحابه إذ نعوه لها .. رمى بنشابه باذلا
في سبيلها لشبابه غاب هذا الفريد في أدابه علما لفه
الفناء بضبابه .. الى اهله .. الى اصحابه رهبة الموت ..
هزنا بمصابه غاله الموت في خضم عبابه انه الموت والورى
لحسابه لمال ٍ، لم يلته باكتسابه في هواها لصده ..
واغترابه مات فذ عظيم من أترابه حسرة في النفوس في
أربابه مات ألقى برمحه .. بكتابه رائدا يا حسين ! من
أقطابه .. وأحلامه .. وكل عذابه يا لشعر يثيرنا في
انصبابه سحق الحزن شعره في انسيابه وترى المجد راتعا في
ركابه سبحت في متاهة لغيابه اطرقت في خشوع في
محرابه وطني يرن بين شعابه ممتع فوق أرضه وهضابه
جمعتنا مناهل من شرابه هو نبراس نهتدي بانتصابه في
جديد القريض .. في اعرابه بقديم الأمجاد في أحقابه كل
أقلامكم . بكل شبابه وسلام عليه يوم إيابه لك تيهي في
الخلد في أسرابه ومضى الشعب لا يبالي بما به إنه الشعب
صارخا في التهابه
|
نشرت في صحيفة
الرأي العدينة العدد 8 السنة الثانية بتاريخ 28/ ذي الحجة /1384هـ
الموافق 30/أبريل/1965م .
ولأن الكثير من قراء (
صحيفة سيؤن ) لا يتابعون الملحق الثقافي لصحيفة الثورة فإنني أورد نص
المقال ليبحر القراء فيه مع شاعرنا الكبير البار :
في الحادي عشر من مارس 2001م تحل
الذكرى السادسة والثلاثين على وفاة الاديب الشاعر الاستاذ حسين محمد
البار شاعر ديوان ( من اغاني الوادي ) إذ كانت وفاته في 11 مارس
1965م . لقد كان الشاعر حسين البار من شعراء الوادي الذين تركوا
بصماتهم ومضوا .. لقد كان لشعره حضورا يترك اثرا في نفس قارئه .
إن صدور ديوانه الاول ( من إغاني الوادي ) عام 1954م كان حدثا ادبيا
هاما في حياتنا الادبية آنذاك . إن شعره في رقته وسلاسته
وصدقه وعفويته يترك في النفس أثرا لا يمحى :
بالله رفقا بقلبي
إن كنت أبقيت
قلبا
وفي لهفة صادقة
وحنان وشوق يهمس في أذن من يحب :
تعالي هنا قلب شقي
معذب
يرى أن ألام مورد عذب
إنه جمع فلسفة الحب
منذ كان وهل قلب المحب في حالة البعد والقرب إلا قلب شقي
معذب يرى أن ألآم الهوى مورد عذب. ألم يتعالى صوت إبن
الرومي قديما :
 |
أعانقها والنفس بعد
مشوقة
إليها وهل بعد العناق تدان
|
 |
وألثم فاها كي تزل
حرارتي فيشتد
ما ألقى من الهيمان
|
 |
كأن فؤادي
ليس يشفي غليله
سوى ان يرى
الروحين يمتزجان
|
إنه المحب .. وهذا
حاله !! وعندما يظل في شوقه ، وحرمانه وبعده يهتف من
أعماقه في تساؤل وانتظار :
فيا بهجة الروح
قولي متى
يعود
الهناء ؟ متى نتلاقى ؟
وفي بعده عن
الوطن والحبيبة يتحفنا بهذه المناجاة الحالمة :
 |
بربك يا أبنة الوادي
أذكريني
إذا
ما كان ذلك مستطاعا
|
 |
إذا الاتراب جئن إليك
يوما
ضحوكات الخواطر أو جزاعا
|
 |
إذا رقص النخيل على
إغاني
نسيم الفجر طبعا لا أصطناعا
|
 |
بربك يا أبنة الوادي
أذكريني
إذا ما غاب شخصي او تداعا
|
إنه يدرك حياة
الوادي ، وساكنيه وما يحوطهم من العادات والتقاليد الجامدة الصارمة ..
فإذا هو لا يكلف حبيبته شططا . وإنما يترك لها تقدير الموقف
:
… أذكريني
إذا ما كان ذلك مستطاعا !!
إلا أن الذكرى
وحلاوتها وما تبعثه من نشوة وسعادة في نفسه تجعله يرسم لنا الجو
العابق
ببراءة
العذارى ومرحهن السعيد وما يشعنه في الافق من البشر والسرور .
وهل احلى من طلب الذكرى في هذا الجو الضاحك والجلسات الممتعة
الانيقة :
إذا
الاتراب جئن اليك يوما
ضحوكات
الخواطر أو جزاع
ويكمل رسم المنظر
إذا رقص النخيل على أغاني
نسيم الفجر
طبعا لا اصطناعا
إنما تحمله ( لا
اصطناعا )من الايحاءات والدلالات لا أستطيع التعبير عنه .. إنه إحساس
لا ترصده ولا تلتقطه إلا عين شاعر وريشة فنان .
ويدركه واقعه وما
هو فيه من الغربة والبعد وراء الجبال والوديان وإذا به يختم مناجاته
هذه بهذه الكلمات التي تحمل من الأسى الدقيق ومن اللوعة والشجن ما لا
يكاد أن يدرك :
بربك
يا أبنة الوادي أذكريني
إذا ماغاب شخصي او
تداعى
إنها قصيدة ما
قرأتها إلا وجدت لها وقعا في نفسي وترسم امامي زمنا تهفو له النفس
وتتوق ، واذا بي اهتف مع ابي الطيب المتنبي بدون ان ادري
:
وكيف التذاذي بالاصائل والضحى
اذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبا
ذكرت به وصلا كأن لم أفز به
وعيشا كأني كنت اقطعه
وثبا
أما عندما يعود الى
وطنه .. الى واديه الاخضر الممراع .. الى حبيبته فإنه يقول في زهو
الشاعر ومرحه ، وفي فرح طفولي وإحساس شاعري :
 |
إني أنا
الغريد في فنن الهوى
ولكم سقيتك من
بديع
فنوني |
 |
فتمايلي فرحا
بمقدم طائر
لما يضن عليك بالتلحين
|
 |
يا فرحتي هذي
الثغور ترف لي فأرى الحياة بديعة
التكوين
|
 |
هذي أبنة الوادي تنسم صبحها
فدعوا الصباح يهش لي ودعوني
|
دعوه إنه الشاعر
يندمج في الطبيعة ويغفو في احضانها .
أما سعادته ونشوته
بلقاء حبيبته فإنه يقول في صراحة دون إعتبار لرقيب او حاسد :
 |
تعانقا
روحانا وضمت شفاهنا
وغبنا فلا صحو لدينا ولا سكر
|
 |
ولا تسألي
عما سرى منك في دمي
ولا ما
الذي أوحته عيناك والثغر
|
أما في ( المزهر
المحطم ) فأسمع هذا المقطع البديع الذي يحرك الشعور والوجدان
 |
يا لذكراك
أنها
تمسح السقم والدموع
|
 |
يا لذكراك
أنها
تحرم المقلة الهجوع
|
 |
لثم الحب
ثغرها
في جلال وفي
خشوع |
 |
عطر الحب
زهرها فغدى
زهره
يضوع |
شتان بين هذه
الحبيبة التي يكن لها شاعرنا البار كل هذا الشوق المشبوب ، ولذكراها
هذا الشجن الحلو الاخاذ .. وتلك التي تركت الشاعر المصري كامل
الشناوي يصرخ في مرارة وألم :
 |
كيف يا قلب
ترتضي
طعنة الغدر في خشوع
|
 |
وتداري جحودها
في رداء من الدموع
|
 |
لست قلبي .. وإنما
خنجر أنت في الضلوع !!
|
و ( من بعيد ) ..
نراه يسجل حالة لا يدركها إلا شاعر ذو إحساس مرهف وعين لماحة ونفس
شفافة رقيقة ، فيقول في تساؤل لذيذ حزين
:
 |
أنا في البعد او عذاب
اليم ؟
أم لظي اليأس أم ضنى مستديم ؟
|
 |
شاه وجه الحياة هذي إذا
لم
تشركيني في بؤسها والنعيم
|
 |
هي لو لم تزيني بردتيها
وحشة القفر أو حياة الجحيم
|
إن لفظة (
هذي ) هنا لها من الدلالة ما يجعلك تعيد التأمل وقراءة القصيدة ثانيا
وثالثا .. شاه وجه الحياة ـ هذي ـ تأمل !! وجه الحياة هذي .. وليس كل
حياة على الإطلاق ..
إن مفردة واحدة
تأخذ مكانها بين مفرادات متناغمة متناسقة تفتح لك افق من الخيال
الواسع وتجعل روحك تحلق في البعيد البعيد في خيال جامح مجنح . وهكذا
جعلتني مفردة ( القفر ) ـ بتقديم القاف على الفاء
ـ في هذا البيت :
هي لو
لم تزيني بردتيها
وحشة القفر أو حياة الجحيم
أحيا في رحاب
عمالقة المهجر في عوالم ( إيليا ابو ماضي ـ ميخائيل نعيمة )
( خلت أني في القفر
اصبحت وحدي
وإذا
الناس كلهم في ثيابي )
حقا إن نفسا تبعد
عن إلفها تسأم الحياة وتضيق بدربها وتصبح الحياة بدون الحبيبة مقفرة
جرداء : وحشة القفر او حياة الجحيم .
ألم أقل لكم إنه
شاعر .. شاعر :
أي
دنيا بهيجة غير دنيا
الحب
والشعر والخيال الكريم
وهنا ايضا .. (
الخيال الكريم ) وليس كل خيال على الاطلاق !!
ويؤكد ذلك في إدراك
وبصيرة فيقول :
 |
وأنا الشاعر
الذي هش للنور
بثوبي إشراقه والغروب
|
 |
وأنا من حييت
في غير دنيا الحب
والشعر والخيال الرحيب
|
 |
كاسف البال
ذابل النفس ملقى
كغريب ولم أكن بالغريب
|
ومن قبله قال
شاعر العربية الخالد ابوالطيب :
وهكذا
كنت في اهلي وفي وطني
إن النفيس غريب حيثما كانا
طويلة ، وممتعة هي الرحلة مع
الشاعر الاديب الاستاذ حسين محمد البار .
وإنني هنا اوجه نداء صادقا
للأخ الدكتور عبدالله حسين البار ليعمل على تجميع شعر أبيه
الشاعر حسين محمد البار وإعادة نشره ليأخذ مكانه بين دواوين الخالدين
من شعراء بلادي .
|