|
ظللنا بسيئون
قرابة السنوات الاربع ثم عاد بنا أبى إلى مدودة في اواخر عام 1365هـ ..
ارتسمت في ذهني الصغير صورا لبعض شخصيات سيئون الاجتماعية التي كانت تأتي
إلى بيت أبى .. ومنهم العلامة علوي بن عبدالله بن حسين السقاف والعلامة
عبدالله بن صالح بن هاشم الحبشي وكان يومها مقيما في سيئون والعلامة محمد
احمد الصبان ـ والد صديقنا الاديب عبدالقادر محمد الصبان ـ والادباء طه
عبدالله بانقيل السقاف وعبدالرحمن بن احمد باكثير وشيخ بن محمد بن مساوى
واخيه احمد محمد شيخ المساوى أمد الله في عمره وغيرهم كثير لا أذكرهم . وهي
شخصيات عرفتها وسمعت حديثها وظل لها طابع فريد في نفسي ولم اعرف ابعادها
الاجتماعية الا بعد ذلك بسنوات .
ان هذه النزوح
إلى سيئون جعلني اشعر بالغربة والتشرد مبكرا ، لقد طبع حياتي بطابع جديد
خاص ومتميز ولعل ذلك مما جعلني أحس بفلسطين ومأساة اللاجئين وما يعنيه ذلك
وما يعنيه الخروج ممن قريتك وبيتك هاربا في خوف ورعب !!
عدت إلى مدودة
وشعوري يختلف عن الأول . عدت وفي القلب حزن وألم فقد ودعنا بعض الأحبة
مقابر سيئون ، أنها ذكريات لا زال لها صدى في أعماقي . سافر أبى إلى الحبشة
والتحقت بمدارس مدودة وكانت مدارس أهلية بسيطة وكان لأستاذنا المربي الكبير
الأستاذ ( احمد بن عبد الله باسلامه ) رحمه الله وهو خريج مدرسة
الإرشاد بسوربايا إندونيسيا الفضل في دفعنا إلى دنيا الأدب وعالمه فقد كان
رائدنا بحق . وظل ينظر إلينا رفاقي وأنا ونحن نحاول الوقوف على اعتاب عالم
الأدب قبل ان نتطلع إلى السير فيه !! كان يدلنا على الطريق .. وينير لنا
الدرب ويفتح لنا عوالم الأدب المسحورة . ويمضي بنا في افاق العربية الواسعة
شعرا ونثرا نحوا ولغة لقد جاب بنا هذا الاستاذ القدير عوالم المتنبي ، وابي
تمام والبحتري ، وشعراء المعلقات .كما عرج بنا على خطباء العربية وبلغائها
وعلى الادباء والمفكرين قديما وحديثا . لقد وضع ايدينا على مفتاح الأدب
العربي واضاء لنا الطريق ورفع لنا المشعل فمشينا بخطا ثابتة ومستمرة . نم
فينا هذا الاستاذ الذوق الادبي وصقل المواهب الكامنة في نفوسنا ( ضم ديواني
المسارات الجديدة قصيدتي في تكريم الاستاذ باسلامه عام 1388هـ بمناسبة
عودته من اداء فريضة الحج وعودتي من اثيوبيا )
في تلك الفترة
صحبت في مكتبة أبى رحمه الله الحريري في مقاماته وشرح المقامات لأبي
العباس الشريشي وغيرها من كتب الادب ودواوين الشعر الادبي . وفي مكتبة أبى
وقعت يدي على اعداد السنة الاولى من صحيفة ( النهضة ) التي تصدر بسيئون عام
1361 هـ ورئيس تحريرها الاستاذ الشاعر الاديب عبدالرحمن احمد باكثير ومدير
التحرير الاستاذ عوض محمد باجبير . وكان أبى رحمه الله من كتّابها ومن خلال
اعدادها تعرفت على كثر من ادباء سيئون ومفكريها وتركت اثرا في نفسي
بأسلوبها الممتع المتميز.
كما قرأت في
المكتبة ايضا كتابا صدر عن ( مخيم أبى الطيب بعدن )على ما اذكر وفيه قصيدة
الشاعر ( علي احمد باكثير ) التي كتبها في زيارته لأديس ابابا ومطلعها :
على اخواننا
المتديرين اديس ابابا سلام المخلصينا
وقد أعجبتني
القصيدة وحفظت اكثر ابياتها خاصة التي يقارن فيها الاستاذ علي احمد
باكثيربين واقع العرب اليمنيين بأديس ابابا واندنوسيا ..
|
( بنادي الاتفاق ) قد اتفقتم
رحلتم تبتغون هناك رزقا
رأيتم سوء عاقبة التعادي
فهل لبني ابينا آن يروكم
لعلهم بكم ـ إما رأوكم
( أديس ابابا ) ألا تلقين درسا
ففيك بنو ابينا قد تآخوا
بأولى الهجرتين شرفتي قدما
|
على إعلاء شأن المسلمين
فقمتم تنشرون هناك دينا
فكنت بالإخاء متمسكين
بإقصى الشرق هل لبني ابينا ؟
نهضتم بالتآخي ـ يقتدونا
على جاوى وجيرتها مبينا
على سرر الرضاء متقابلينا
ويومك بإرتقاهم تشرقينا
|
مما جعلني احن
إلى رؤية ( أديس ابابا ) وأتطلع إلى السفر اليها ..
ولم ادري آن
القدر يخبئ ذلك لي فقد التحقت بأبي إلى الحبشة عام 1955م للعمل .. وتكون
إقامتي لحسن الحظ بأديس ابابا التي تضم العرب اليمنيين من الجنوب والشمال
جالية واحدة مما كان له اثرا في نفسي وعمق شعوري بالوحدة اليمنية !!
ومن هذا الكتاب الصادر عن مخيم آبى الطيب بعدن تعرفت على بعض ادبائي
وشعرائي عدن آنذاك كما عرفت دور اسرة آل لقمان الادبي بمدينة عدن ..
|