|
تحت هذا العنوان
( حديث الذكريات ) و حلقاته المستمرة إن شا ء الله سأضع أمامكم ما قد يجد
البعض فيع متعة و فائدة و إذا استطعت أن أحرك فيكم العودة بكم إلى ذكريات و
مواقف عشتموها ، و إذا استطعت أن أحرك تفكير أحدكم بما كتبت ، أو أرده إلى
قراءات قديمة له ، إذا استطعت ذلك فقد حققت بعض ما أهدف إليه و ليس هذا
بقليل ! أما وقد بدأ التواصل بيننا فإنني آخذكم على البدايات و كيف كانت .
و لتتعرفوا على معاناة فتى عانى و أحس و كتب . قد لا أرضى اليوم عما كتبته
منذ سنوات ، و قد أرى أن تعبيرا ما ينبغي أن يبدل بغيره ! و
لكني آثرت أن أبقي ما كتبت كما هو . حتى تتعرفون على مدى التطوير و التغيير
. و قديما قال العماد الأصفهاني ( إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في
يومه إلا قال في غده أن لوغير هذا مكان هذا لكان أحسن ، و لو زيد كذا لكان
يستحسن ، و لو قدم هذا لكان أفضل ! و لو ترك هذا لكان أجمل !! و هذا
من أعظم العبر و هو دليل على إستيلاء النقص على جميع البشر ) لقد كتبت شعري
بلغة حياتي اليومية بلغة الجماهير ، إنني أحب تعابير الحياة اليومية و أعت
بها و لا آنف منها .. إنني حاولت أن أقول واقعي كما هو ، بكل كآبته و آلامه
و حزنه و فرحه . أما هل وفقت في ذلك أم قصرت فالجواب لدى القارئ !
إننا بكتابة
الشعر بهذه اللغة نساهم في جعل الشعر للجماهير . للذين لا يستطيعون احتمال
الرحلة خلال سطور المعاجم و اللهاث خلف المعنى و الغامض من الكلمات ، نجعله
لجمهور أكثر ، للبسطاء المحرومين حتى من الترف في الكلام !
إن الشعر لم يعد
للخاصة ، لم يعد في الدائرة الضيقة يعيش ، إنه للجماهير يصور آمالها و يشدو
لها على الدرب ، قد يغضب هذا الشعر بعضا و قد يثير حفيظة البعض الآخر ، و
قد يرضى عنه آخرون . و أقول لهم جميعا ( إنني عبرت عما أحسست ، و كتبت ما
عانيت ، و يكفي أنني فعلت ) و ما قيمة الأديب شاعرا أو كاتبا إذا لم يكتب
ما يحسه هو و ما يعانيه و ما يعيشه ، و على الشاعر أن يرضي نفسه فالفن لا
يعرف المقاييس .. أما أنا فلا أقول أرضيت نفسي بما كتبت . كلا ! فالدرب
لازال طويلا ، عرفنا و عانينا الكثير في البحث عن معالم المراحل الأولى
لبعض ادبائنا و مفكرينا الذين رحلوا و لم يكتبوا عن أنفسهم و لم يعن أحد
بتأريخهم ، و لا زلنا نعاني الكثير ، و كثيرا ما طرح علي مثل هذا السؤال ؟
لهذا فإني أتحدث قليلا عن مراحل حياتي الأولى :
كانت نشأتي
عادية و بسيطة كنشأة العديد من بسطاء بلادي ، و لدت
بمدوده تلك القرية القديمة التي ذكرها
الهمداني في كتابه القديم ( صفة جزيرة العرب ) في القرن الرابع الهجري . و
التي كتبت لها عام 1959م قصيدتي مدوده
|
بلدة كلها جمال و عطر
و الفراشات في الحدائق تلهو
هي رمز الصبا أرتع فيها
نصعد النخل و الثمار تدلى
و جبال تحيطها في حنان
أنت لا زلت تقيمين في الحنايا |
|
راية الحب فوقها معقودة
و تعب الرحيق من أملوده
و لداتي ، كنغمة الأنشودة
نقطف الرطب من ذرى عنقوده
و هي كالنور تحتها ممدوده
على البعد فاسلمي يا مدوده
|
قصيدة كتبتها
عندما كنت في أديس أبابا عام 1959 و قد سئلت عن مدوده .
كان ميلادي عام
1354هـ / 1936م للصدفة العجيبة فقد كان هذا العام ( 1936 ) هو عام الثورة
الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني ، فكان قدري و قدر فلسطين متلازمين ! و
كان لفلسطين في نفسي لهفة و صدق ، و اقتصر ديواني قدس لبيك على بعض من
قصائدي التي كتبتها في فلسطين .
في عام 1361هـ و
أنا أخطو في عامي السابع ، أصيبت قريتي مدوده بنكبة مدمرة إذ نشب فيها قتال
عنيف في شوال 1361 قتل فيه عدة أشخاص ، و عاشت القرية في ر عب و قلق و خوف
، و تركت الحادثة أثرا بليغا في نفسي . و في صباح اليوم التالي تسلل بنا
أبي إلى مدينة سيئون ، هذه المدينة التي
أكن لها حبا عظيما ، و قد غنيت لها كثيرا في شعري . و فيها تعلمت أول حرف
أذكره !! ففي مدرسة النهضة كان لي شرف الانتساب و الانخراط بين تلاميذها و
قد أدخلني أبي المدرسة فورا .
و من الأساتذة
الذين أذكرهم الأستاذة الأجلاء : عيدروس بن سالم السوم السقاف ، شيخ بن
محمد السقاف ، عبد الرحمن بن عمر بن حامد السقاف ، أما الذي قام بتدريس
الصف الذي كنت أنا فيه فهو الشيخ الفاضل أحمد بن عمر باحميد أمد الله في
عمره ( 2003 ) .
ظللنا بسيئون قرابة السنوات الأربع ثم عاد بنا أبي إلى مدوده في أواخر عام
1365 هـ
|