|
و المرء يشعر
انه وحده شيء لا يذكر و لكنه ذو شأن بارتباطه بإخوانه .
و المؤمن مرآة
أخيه ، ما من فرد إلا و فيه عيوب و قصور ، و كثيرا من يغفل عنها و لا
يتنبه لها فهو أحوج ما يكون إلى من يبصره ويعينه على إصلاحها و التخلص منها
، و لا يقدر على ذلك إلا أخ محب مخلص دائم الصلة رقيق المعاملة حكيم في
نصحه و تبصيره ، و هذا خير عون و خير مساعد .
الصحبة الصالحة
تضاعف سعادة الفرد بمشاركته في مسراته وتخفف عنه متاعبه و آلامه ، إذا
أصابه ضر أو مصيبة يعينونه بأموالهم و جهدهم ، و يذكرونه بالله و الصبر على
البلاء و عدم الاستسلام للحزن أو الانطواء ، و في ذلك عون له .
الصاحب الصالح
يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوات صالحة و هي دعوات مستجابة كما اخبرنا الحبيب
صلى الله عليه وسلم .
و ما أعظم ما
يناله الإنسان في الصحبة الصالحة المتحابة في الله ، حيث يفوز بحب الله و
مغفرته و حسن مثوبته له بما يتم بينه و بين إخوانه من نظرة حب في الله
يتبادلونها ، و من مصافحة ، ومن تبسم في وجوه بعضهم البغض ، و من تزاور
وتجالس بينهم ، و من تواصي و تذكر بالحق بينهم .
و الأحاديث في
هذا كثيرة .. ومنها حديث السبعة الذين يضلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله .
فمنهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه .
و يقول سيدي
الحبيب العلامة قطب الإرشاد الإمام / عبدالله بن علوي الحداد تعليقا على
هذا الحديث و إيضاح وبيان المحبة في الله في كتابه ( النصائح الدينية ) :
فإذا أحب
الإنسان الإنسان و ألفه وصاحبه لأنه يحب الله و يعمل بطاعته كان ذلك من
المحبة في الله .
وإذا أحبه و
صحبه لأنه يعينه على دينه ويساعده على طاعة ربه فقد أحبه في الله تعالى .
و إذا أحبه و
صحبه لأنه يعينه على دنياه التي يستعين بها على آخر ته فقد أحبه في الله
تعالى .
وإذا أحبه
وصحبه لأته وجد طبعه يميل إليه و نفسه تأنس به . أو لأنه يعينه على دنياه و
أسباب معاشه التي يتمتع بها . فتلك محبة طبيعية ليس من المحبة لله في شى.
وتلك صحبة نفسانية اقتضاها ميل الطبع و لكنها مباحة و لعلها لا تخلو من خير
إن شاء الله تعالى .
وأما إذا أحبه
و صاحبه لأنه يعينه على المعصية و الظلم و يساعده على أسباب الفسق و المنكر
فتلك محبة و صحبة مذمومة قبيحة و هي في سبيل الشيطان و ليست من الله في شى
. و هي التي تنقلب في الآخرة عداوة و ربما انقلب في الدنيا قبل الآخرة . قل
الله تعالى (( الأجلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )) .
و في اختيار
الصديق يقول أبو الفتح البستي :
نصحتك لا تصحب
سوى كل فاضل خليق السجايا بالتعفـف الظــرف
و لا تعتمد غير
الكرام فـواحـد من الناس إن حصلت خير من الألف
و يؤكد البستي
في ذلك ويقول :
إذا ما اصطفيت
امراء فليكن شريف النجار زكي الحسب
فنذل الرجال
كنذل النبات فلا للثمار .. و لا للحطـــب
و أنت ترى أبو
الفتح البستي قد عانى من اختيار الأصدقاء و من تجربته و معاناته كتب شعره
هذا .
و في ديوان
سيدي الحبيب العلامة الإمام الحداد الكثير الطيب في هذا الباب ، منه :
و إياك أن
تختار صحبة من ترى له ظاهرا يعجبك من قبل إن تبلي
لقد عز في هذا
الزمان موافق يعينك في مجد و ينهاك عن سفل
إذا قلت خيرا
قال لبيك مسرعا وان قلت شرا قال أقليك أو تقلي
فما عيش من
يمسي و يصبح فاقد أخا ثقة مأمون في الجد و الهزل
يوازره في كل
أمر يرومه و يحفظه في المال و النفس و الأهل
مظاهرة الإخوان
أمر مقرر عليه يدور الشأن فاستوفى بالخل
و في قصيدته
المشهورة الذائعة الصيت ( عليك بتقوى الله في السر و العلن ) جاء هذا البيت
الحاني الشفيق حاملا هذه النصية الغالية بأسلوب ممتع مليئا بالحب و الحنان
و الإشفاق :
و اصحب ذوي
المعروف و العلم و الهدى و جانب و لا نصحب ـ هديت ـ من افتتن
و العلامة
الجليل الحبيب علي بن محمد بن حسين الحبشي يقول في ديوانه ( الجوهر المكنون
و السر المصون )
بعد تجربة لما
تأتي به الصحبة و الصداقة و تأثيرها في السلوك و الأخلاق :
و اياكموا من
صحبة الضد إنني رأيت فساد المرء صحبة أضداد
ففي صحبة
الأضداد كل رذيلة تؤدي إلى ضر وبغي و إفساد
وفي صحبة
الأخيار كل غنيمة و ربح و فوز ليس يحصيه تعدادي
فدونكموا فيها
ارغبوا و لها أطلبوا ففيها لمن يبغي الهدى خير مرتادي
أما في معاملة
الأصدقاء فاسمع المتنبي يقول :
أصادق نفس
المرء من قبل جسمه واعرفها في فعله و التــكلم
واحلم عن خلي و
اعلم انه متى اجزه حلما على الجهل يندم
وكما قال بشار
:
إذا كنت في كل
الأمور معــاتبا صديقك لم تلقى الذي لا تعاتبه
إذ أنت لم تشرب
مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه
فعش واحدا أو
صل أخاك فانه مقارف ذنبا مرة و مجانبه
و أستاذنا
الكبير الأديب الشاعر صالح بن علي الحامد يقول :
و أنا الذي
يرعى الصداقة إن أقمت و إن ضعنت
و أنا الألوف
فلا ملامة إذ إلى إلف حننت
وللصديق الشاعر
الرقيق عبدالله بن محمد بن شيخ المساوى ( المقيم بالإمارات ) في الجزء أول
من ديوانه ( خلجات شاعر ) قصيدة أعجبتني و هي بعنوان ( حسن المعاشرة )
كن كالنسيم و
كالحرير نعومة تغشى المجالس باسما مرتاحا
كن كالأريج من
الخمائل طيبه أو كالعبير من الربي فواحا
تسبي الجميع
إذا نطقت و إن حكى احد حديثا شيقا وضاحا
أقبلت تلتهم
الحديث برقة أحلى و اشمل شاعلا مصباحا
من نور رقتك
الوضيئة تعتلي منه على حسن السلوك جناحا
فالناس تعشق إن
يكون زميلهم دمثا كما ريح النسيم صباحا
أبدا يخفف ما
تنوء به القوى من فعل كد في الحياة كفاحا
بيد الحنان
برقة و بحنكة لهموا يضمد في الحياة جراحا
فبذا السلوك
ينال كل محبة و به يحقق في الحياة نجاحا
و به إذا حمى
القضاء لعودة حين الحساب ينال منه فلاحا
نعم هذا تكون
حسن المعاشرة ..
وعندما أهداني
ديوانه كتبت له هذه الأبيات :
(خلجات شاعر)
أطربتني وسرت بدفء في عروقي
صفحاته فيها
نرى وجه .. تألق في شروق
رغم التقاعد
باسم ماض بعزم في الطريق
يشدو بشعر ممتع
يختال في لفظ أنيق
شعر أثار كومني
فلك التحية يا صديقي
وهكذا الصداقة
تترك أثرها في النفوس يتفاعل ويتجدد ..
كان الشريف
الرضي يسر كل السر ور باجتماع الأصدقاء و يأنس بلقائهم ، ويتلذذ بأحاديثهم
ويرى ا اغتنامها غنيمة من الدهر فيقول في احد مجالسه :
أحاديث تستدعي
الوقور إلى الصبأ وتكسو حليم القوم ثوب غرام
فنضحي بها طربى
بغير ترنــم ونمسي لها سكرى بغير مدام
تعالوا نول
ألائمين تصامـــما ونعص على الأيام كل مــلام
ونغتنم الأوقات
إن بقاءهـــا كمري غمام. أو كحلم مــنام
والشريف الرضي
هو من قلة من شعراء العربية الكبار الذين صوروا لنا الصداقة في أجلى صورها
وأوضحوا لنا معالمها وحدودها و وصفوا لنا الصديق الحق الذي يعول عليه في
الشدة و يؤنس به في الرخاء و يحفظ الغيبه ويحرص على حبل المودة ان ينقطع
ويغفر إساءة الصديق و يجيب دعوته و يحتال له العذر اذ ز ل و يهديه في رفق
إذا ضل ، ولم يكتفي الشريف الرضي بان يكون واجدا من شعراء القلة الذين
صوروا الصداقة على حقيقتها بالقوال ولكنه كان في سلوكه العملي مع أصدقائه
نموذجا للمبادئ السامية التي وضعها للأصدقاء .
و الشريف في
صداقته لا يفرق بين الصابي صديقه الحميم على الرغم من دينه الصابئ وعلى
الرغم ـ فوق هذا ـ من فارق السن بينهما و الحسين بن حجاج وكان صديقا
للشريف الرضي ، وابن الحجاج هازل ماجن و الشريف جاد و قور .. و قد بلغ من
إعجاب الشريف بصاحبه وبشعره انه اختار ما استجاده من أشعاره و جمعه في كتاب
اسماه ( الحسن من شعر الحسين ) ورتبه على حروف المعجم و نشره في حياة ابن
حجاج الذي حفظ له الصنيع فسجله بشعر يقول فيه :
اتعرف شعري إلى
من ضوي فاضحى على ملكه يحتوي ؟
إلى البدر حسنا
إلى سيدي الشريف ابي الحسن الموسوي
إلى من اعوذه
كـلما تلقيته بالعزيز القــــوي
و تحرص الشريف
الرضي على استبقاء الصديق على القذى كالعضو تبقيه الطبيب على دائه فيقول :
و كم صاحب
كالرمح زاغت كعوبه ابى بعد طول الغمز ان يتقومــا
كعضو رمت فيه
الليالي بقــادح و من حمل العضو الاليم تالــما
صبرت على
ايلامه خوف نقصه و من لام من لا ترعوي كان الوما
ويتحرق شوقا
إلى صديق الشدة و المحنة . لا صديق النعمة والرخاء فيقول :
قل الصحاب فان
ظفرت بنعمة كثر الصحــــاب
من لي به سمـحا
اذا صفرت من القوم الوطاب ؟
من لي به يا
دهر والأيـــــــــــام حالكة غضاب ؟
|