|
يسعدني ان اقف
امامكم اليوم في هذه المناسبه العظيمة .. عندما نقل اليّ الأخ الأستاذ /
محمد حسن بن عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف مساء يوم الثلاثاء 28 جماد
الآخرة 1424 هـ عبر الهاتف نبأ إعتزامهم فتح ( منتدى بن عبيد الله ) في
بيته القديم وبالذات في مجلسه المعروف من الدار ذاته . وهو المكان الذي
نجتمع فيه الآن . أعادني إلى ذكريات قديمة وعزيزة على نفسي وغالية علي
ربطتني بهذه الدار .. أعادتني إلى زمن سعيد ، أنيق ، إلى واحة عطرية لا
يزال اريجها يغمرني كل ما أدلهمّ الزمان واكفهرت الأيام ..
ذكرت دخولنا
هذا المجلس - في خشوع و محبة – والدي زين سالم باحميد وأنا ، عام 1371هـ
عند عودته الأولى من الحبشة / أثيوبيا . إذ كان حريصا على زيارة العلامة
عبد الحمن بن عبيد الله الذي تربطه به صداقة قديمة راسخة منذ سنوات إمتدادا
لصداقة كانت تربط جدي ( سالم بن عمر باحميد – المتوفى عام 1342 هـ ) مع
العلامة بن عبيد الله .. ومن أوراق جدي رحمه الله تعرفتُ على إسم بن عبيد
الله مبكرأ وأُ عجبت به إذ وجدت بين أوراق جدي قصيدة منقولة بخطه من (
جريدة الإصلاح بسنغافورا ) عدد 32 / 28 – 21رجب 1327 هـ - 8 أغسطس 1909م
مطلعها :
أين العزيمةَ
والآمالِ والهممِ ؟ أين الحمية اين المجد والشمم ؟
ولذا لطبت من والدي أن اصطحبه لزيارة العلامة ابن عبيد الله . وكان والدي
عندما كان بعدن عام 65 / 66 13 هـ هو الواسطة لدى الشيخ ( عبد الرحمن بن
محمد عمر بازرعة ) في طباعة قصيدة نهج البردة / و الرحلة الدوعنية للعلامة
بن عبيد الله وقد اطلعت على رسالة من العلامة بن عبيد الله لوالدي تاريخ 19
شوال 1367هــ مخاطبا إيـّاه بقوله .. محبُّـناالشيخ زين ابن صديقنا سالم بن
عمر باحميد . يشكر مسعاه في طبع نهج البردة كما يشكر الشيخ عبد الرحمن محجد
محمد عمر بازرعة . إلى ان قال : وفي الحقيقة إن مافعلتموه وما فعله الموفق
الشيخ عبد الرحمن بازرعة كلّه للجناب المحمدي ..
لقد قال
كــعبٌ في النبي قصيدةً فقلنا عسى في مدجه نتشـــــاركُ
لئن شملتــنا
بالجوائز رحمــة كرحمة كعـــبٍ ، فهو كعبٌ مباركُ
هكذا وبع ربع قرن من وفاة جدي رحمه الله يظل العلامة عبد الرحمن بن
عبيد الله المتوفي عام 1375هـ وفيـّـاً لصداقته .
دخلت هذه الدار يوم ذالك ولسان حالي يقول :
نزلنا عن
الأكوار نمشي كرامةً لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
في حضرة من هو أحق بقول المتنبي من سيف الدولة :
عليمٌ بأسرار
الديانــات و اللُّــغى له خــــطراتٌ تفضح الناس والكتبـا
وكان لقاء مؤثرا بالنسبة لي وظلّ عالقا بخيالي .. وانني اذكر فيما
اذكر عند وصولنا إلى هذه الدار و كان الوقت ضحا سمعته من خاج البيت قبل أن
نستأذن ينشد في هذا المجلس بصوت جهوري وهو بقرب النافذة – فيما اظن –
قصيدة المتنبي :
ومن عرف الأيام
معرفتي بها وبالناس روّى رمحه غير راحمِ
بصوت شجي ظل وقعه يرن في أذني قبل أن اراه أو اشاهده – ولحسن الحظ كان بعض
شعر المتنبي مما يمليه علينا أستاذنا / أحمد بن عبد الله باسلامه بمدودة –
وشدّني العلامة بن عبيد الله منذ سمعت إنشاده لأبيات المتنبي في هذه
القصيدة بأسلوبه وإلقائه وكان اسلوبا متميزا أخّـاذا آسراً .. وإذا بي عند
إطلاعي على كتابه ( العود الهندي ) نسخة خطية حصلت عليها من صنعاء 1991م -
قبل اخاجه في طبعته الأولى العام الماضي 2002م - عرفت مدى إعجابه بشعر
المتنبي وبالذات هذه القصيدة وعرفت سر قراءته لها .. إذ قال معقبا على
ابيات منها : (( وإني لكثيرا ما أمر بهذه القصيدة فيحدث لي عند كل مرة من
روعة حسنها ورونق جمالها مالم أجده من قبل ، فسبحان المانح هذا والله السحر
الحلال ، والعذب الزلال ، والحديث الذي لاتزيده الإعادة إلا جدّة ، ولا
التكرار إلا لذة )) .
ولي مع العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله – رحمه الله – طرفة لازالت من
أعز الذكريات عندي : وهي انني عند قراءتي لمطولته الرائعة ( نهج البرة )
توقفت عند هذا البيت :
ماذا أقول وروح
القدس خادمه كما أتى في قريض الشاعر الحكمي
ولم أعرف من هو الشاعر الحكمي ؟ وماهو شعره الشار اليه ؟ وظللتُ أسأل من
اتوهم فيه معرفة ذلك . ولم أوفق و رغم البحث والمتابعة لم اصل إلى معرفة
ذلك ، وفي عام 1372 هـ ( في مولد عيديد ) / بسيؤن في شهر رجب من كل عام
، وقف العلاّمةبنة عبيد الله كعادته في مثل هذه المناسبة يلقي خطابا سنويا
.. وإذا به يقول في معرض خطابه :
(( ولله در ابي نواس إذ يقول في مدح علي الرضا ابن موسى الكاظم :
إنني لا أطيق
وصف إمام كان جبريل خادما لأبيه ))
فقفز إلى ذهني فجأة بيته في نهج البردة :
ماذا أقول وروح
القدس خادمه كما أتى في قريض الشاعر الحكمي
وعرفت ان الشاعر المعني في البيت هو البو نواس / الحسن بن هاني الحكمي وأن
قريضه المقصود هو بيت ابي نواس هذا .. وبعد ذلك بوقت طويل قرأت في بعض
مطالعاتي : أنه في يوم زواج علي الرضا ابن موسى الكاظم بإبنة الخليفة
العباسي ( المأمون بن الرشيد ) قامت الشعراء والخطباء .. وابو نواس ساكت
فعوتب فألقى الأبيات التي طغت وتفوقت على كل ما قاله الشعراء ..
قيــل لي انــت
افصـح الناس طـرا في المعاني ، وفي الكـــلام النبــيهِ
لك من جيد
القريـض مديــــــح ينثر الــــــدر من يدي مجتبــيهِ
فلماذا لم
تمتـــدح ابن موســــى فالصفــــات التي تحكمّـن فــيه
قلــت لا
أستطيـع وصف إمــــامٍ كـان جبريـــــل خادما لأبيـــهِ
فترحمت على ابي الحسن ، وضلّت هذه الصرفة من أعذب ما احمل من عن
العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله من ذكريات . وكان هذا آخر خطاب سمعته
للعلاّمة بن عبيد الله إذ بعدها سافرتُ إلى الحبشة / أثيوبيا ملتحقا بأبي
للعمل هناك .. وتوفي العلاّمة بن عبيد الله عام 1375هـ و كنّـا ابي وانا
في الحبشة .
كما تربطني بأبنا العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله .. استاذنا حسن
وزميل العمل ابو يعيش و العزيز أحمد ( امدو) رحمهم الله صداقات وذكريات
أرجوا أن اكتب عنها فيما بعد ..
فتحية إكبار ، وتقدير ، وإعزاز لكل من عمل وساهم على فتح هذى
المنتدى الذي نتمنى له كل تقدم و، وإزدهار ، وإستمرار .. وأن يكون ينبوعا
متدفقا بالمحبة ، وبالأدب الرفيع ، والفكر النيـّـر . وأن يعود ( علم بدر )
كما كان قبلة للنفوس الظامئة إلى مجلس العلم والأدب عندما كان ( ابي الحسن
) – رحمه الله – يقيم في ربوعه فهاهم أحفاده ، ومريديه ، ومحبيه يعيدون
لــ ( علم بدر ) مكانته ونظارته :
لا عذر للشجر
الذي طابت له أعراقه أن لا يطيبَ جناهُ ..
|